ترميم الروح كاملة بقلم منــي الـسـيد
الجزء الأول الهدوء اللي يسبق العاصفة
ليلتها كنت قاعدة على أرضية المطبخ في شقتنا الجديدة في التجمع، وشعري مرفوع أي كلام، وهدومي متبهدلة شحم وتراب لأني كنت بحاول أسلك ماسورة الحوض اللي بتنقط.. في إيدي مفتاح إنجليزي وبحاول أتصرف، فجأة باب الشقة اترزع رزع خلّت براويز الصور تتهز على الحيطة.
طلعت بجسمي من تحت الحوض، لقيته واقف وراسم على وشه نظرة المدير اللي جاي يدي لفت نظر لموظف عنده.. شريف كان واقف ومربع إيده وقال بنبرة حادة
نوران، إحنا لازم نتكلم في موضوع يوم السبت.
يقصد حفلة سكن البيت اللي بقالنا شهر بنرتب لها.. أول عزومة لنا في بيتنا الجديد.
مسحت إيدي في فوطة قديمة وبصيت له ماله يوم السبت؟
فرد ظهره واستخدم النبرة إياها.. النبرة اللي بيحاول يبين فيها إنه عقلاني وهو بيقول أكتر حاجة مستفزة في الدنيا
أنا عزمت حد.. حد يهمني وجوده جداً، ومحتاجك تكوني هادية، وعاقلة، وماتعمليش مشاكل.. لو مش هتقدري تعملي ده، يبقى إحنا فعلاً عندنا مشكلة كبيرة.
قلبي انقبض، وسألته بكلمة واحدة مين؟
رد من غير تردد نهى.
نهى.. إكس خطيبته، اللي دايماً عنده مبرر لوجودها.. اللي لسه متابع كل تفاصيل حياتها على السوشيال ميديا بحجة إن البلوك ده تصرف عيال.. اللي اسمها دايماً عايم في وسط جوازنا زي دخان الحريقة اللي مفيش حد عايز يعترف إن نارها لسه قايدة.
حطيت المفتاح الإنجليزي على البلاط.. الرنة بتاعته كانت أقوى من أي كلمة.
قلت براحة إنت عزمت خطيبتك القديمة في حفلة بيتنا الجديد؟
رد ببرود وكأن ده الطبيعي أيوه، إحنا أصحاب.. أصحاب جداً كمان. ولو ده مضايقك، فده معناه
إنك مهزوزة ومش واثقة في نفسك، ودي مشكلتك
دي ماكنتش مناقشة.. ده كان إنذار. كان بيجبرني أطاطي وأمشي على مزاجه.
كمل وقال عايزك تتعاملي مع الموضوع ب رقي.. هتقدري؟
كان مستني دموع، أو خناقة، أو صريخ.. بس أنا ابتسمت.
مش ابتسامة كيد، ولا سخرية.. كانت ابتسامة هادية جداً لدرجة إنها خلته يرتبك.
طبعاً يا حبيبي.. هكون راقية جداً، أوعدك.
بص لي باستغراب بس كدة؟ موافقة؟
رديت بنعومة طبعاً.. طالما وجودها يهمك أوي كدة، تنور.
سابني ودخل الأوضة وهو بيطلع موبايله، غالباً بيبعت لها يقول لها إنه سيطر على الموقف وإن مراته نسمة.
أول ما اختفى، مسكت موبايلي وبعت رسالة ل سارة صاحبة عمري
سارة، أوضة الضيوف عندك لسه فاضية؟
طبعاً يا بنتي، في أي وقت.. حصل إيه؟
هحكي لك يوم السبت.. محتاجة مكان أقعد فيه لفترة.
تاني يوم، شريف كان في قمة السعادة.. بيبعت لي من الشغل يختار الأكل، والمزيكا، والورد.. بيتكلم عن الحفلة وكأنها إنجاز قومي. بالنسبة له الموضوع خلص، هو حط القواعد وأنا نفذت.
وأنا في طريقي للشغل، عملت لستة تانية خالص.. لستة بالحاجات اللي تخصني.
هدومي، اللابتوب، صوري مع أهلي، ساعة جدي الله يرحمه، ماكينة القهوة اللي شرياها بفلوسي، طقم الحلل اللي ماما جابتهولي.. حتى الكراسي اللي كنت منجدة قماشها بإيدي وهو كان بيتريق عليها ويقول شغل بيتي.
بعد الشغل، حولت نصيبي من الفلوس لحسابي الشخصي.
دفعت نصيبي في الإيجار والمصاريف بالمليم عشان مايبقاش عليا حاجة.
وضبت شنطة هدوم وحطيتها في شنطة العربية من غير ما يحس.
بالليل، لقيته واقف في الصالة بيعلق
حبال النور ومنتشي أوي ممكن
قلت له من عيوني.
ساعدته فعلاً.. رتبنا الأطباق، وحضرنا الشربات، وفرشنا المفارش.. كان عمال يحكي عن مستقبلنا والفصل الجديد في حياتنا. وقف وبص للصالة بفخر مش حاسة إن الجو بقى مبهج أوي؟
بصيت للحيطان اللي دهناها سوا وللبيت اللي حطيت فيه روحي وقلت جداً.. فعلاً يوم السبت ده هيكون نقطة تحول.
بالليل وهو ماسك الموبايل، ضحك وقال نهى أكدت الحضور، وجايبة معاها هدية شيك أوي للبيت.
رديت ببرود كلك ذوق.
بص لي بشك إنتي هادية زيادة عن اللزوم.
بصيت في عينه مباشرة إنت طلبت مني أكون عاقلة.. وأنا بنفذ طلبك.
يوم السبت الساعة ٤ العصر.. الشقة كانت مليانة.
صوت الضحك والكلينك بتاع الكبايات مالي المكان.. صحاب الشغل، الجيران، وقرايبه. بس كان فيه وشوشة في الأركان
هي بجد الإكس بتاعته جاية؟
إزاي وافقت أصلاً؟
شريف ده غريب أوي!
كل ما حد يسألني، أبتسم وأقول أنا بس بحافظ على كيان البيت.
سارة صاحبتي جت، وبصت في عيني وفهمت كل حاجة.. قربت مني وهمست نوران، دي مش حفلتك.. دي حفلته هو.
شربت بوق عصير وقلت لها فعلاً.. عشان كدة خليه يستمتع بيها لآخر لحظة.. وخلي موبايلك في إيدك.
الساعة ٥، شريف بدأ يتوتر.. كل شوية يعدل قميصه ويبص للساعة ويبص للباب كأنه مستني نجمة الحفل.
فجأة.. الجرس ضرب.
الصمت نزل على المكان زي السكينة.. العيون كلها اتجهت للباب.
شريف اتحرك بسرعة عشان يفتح، بس أنا سبقت ووقفت قدامه.
أنا اللي هفتح يا حبيبي.
ورايا ٣٠ شخص بيتفرجوا.. وقدام الباب الست اللي هو قرر يكسرني بيها ويفرضها على بيتي وكرامتي.
حطيت إيدي
علىكرة
الجزء الثاني كسر الأقنعة
فتحت الباب وأنا سانده إيدي على المقبض.. الإضاءة في الطرقة كانت محاوطة نهى وكأنها داخلة مشهد سينمائي حافظة أبعاده كويس. كانت حِلوة بالنوع اللي الستات بتعرف توصله لما يحسوا إن العيون عليهم.. شعرها متسرح بدقة، بلطو شيك، روج غالي، وماسكة إزازة الشربات في إيدها وكأن حتى القزاز لازم يفهم مقامه وهو معاها.
بصت من فوق كتفي للصالة قبل ما تبص في وشي.. كانت بتبتسم للمكان وللناس، وكأنها ضامنة إن ليها حتة جوه البيت ده. لما عينيها جت في عيني، الابتسامة اتهزت ثانية.
أنا اللي ابتسمت الأول.
قلت بترحاب وهدوء نهى.. أهلاً بيكي، نورتينا بجد.
بربشت بعينيها، اتفاجئت بنبرتي.. كانت مستنية مقاومة، أو نظرة غيرة، أو خناقة.. قالت بلهجة فيها حذر أهلاً يا نوران.. أنا جبت النوع ده، يا رب يعجبكم.
رديت عليها ذوقك يجنن.. اتفضلي، الكل مستني.
ورايا، البيت هدي فجأة.. الهدوء الاجتماعي اللي بيحصل لما الناس تشم ريحة قصة بتتولد بس لسه مش عارفين يمثلوا إنهم مش واخدين بالهم ولا لا. شريف كان واقف ورايا بشوية، وبدأ جسمه يسترخي وكأنه انتصر.. في خياله، الحتة الخطيرة كانت رد فعلي، وماكنش متخيل إن الهدوء ممكن يكون هو السكينة اللي بتدبحه.
وسعّت لها الطريق ودخلت.
شريف قرب منها بلهفة الصديق اللي بيستقبل حد غالي.. لمس كوعها، خد منها الإزازة، وضحك ضحكة طويلة شوية.. وبعدين بص لي بنظرة انتصار، نظرة الراجل اللي فاكر إنه كسر كرامة مراته وطلعت مطيعة.
همس لي وهو بيمر من جنبي شفتي؟ الجو
جميل إزاي.. برافو
هزيت راسي وقلت فعلاً.. جميل جداً.
شريف
بدأ يتحرك في الصالة بخيلاء، ونهى بدأت تتمشى في الشقة وتتفرج على كل ركن وكأنها في معرض فنون مفتوح عشانها. سارة صاحبتي كانت واقفة بعيد، وبصت لي نظرة طويلة.. هزيت لها راسي هزة صغيرة.
دي كانت الإشارة.