في فرح اخويا حكايات اسما

لمحة نيوز

دخلـت العـروس إلى الحمـام لبضـع دقـائق أثناء الزفاف، فأوقـفها عامـل النظـافة عـند الباب وقال بهدوء: عريسِك حط حاجة في كاسك ما أعرفش ايه بس أوعي تشربي منه
تجمدت آية في مكانها للحظة شعرت وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنها بل سقطت مباشرة في صدرها وأحدثت رجفة باردة سرت في جسدها كله نظرت إلى الرجل الذي قال الجملة ولم تجد في عينيه خوفا ولا رغبة في إثارة الفزع فقط يقين غريب وهدوء شخص رأى شيئا لا يستطيع تجاهله ثم ابتعد دون أن ينتظر ردها وكأنه أدى واجبا ثقيلا وترك القرار لها
أغلقت آية باب الحمام خلفها ببطء شديد واستندت بظهرها إلى الباب للحظات تحاول أن تلتقط أنفاسها وقفت أمام المرآة تحدق في انعكاسها فستان أبيض فاخر طرحة طويلة تاج بسيط ووجه شاحب لا يشبه وجه العروس التي حلمت أن تكونها طوال عمرها كانت تعرف أنها يفترض أن تكون سعيدة أن تشعر بالفرح والطمأنينة لكنها لم تجد في داخلها سوى فراغ بارد وقلق غامض كان يلازمها منذ الصباح دون سبب واضح
خلف الجدار كانت الموسيقى تعلو والزغاريد تتصاعد والضحكات تملأ القاعة

صوت المقدم يعلن الفقرات

واحدة تلو الأخرى والجميع يحتفلون وكأن العالم في أمان بينما كانت آية تشعر أن شيئا خطيرا يقترب منها ببطء

عدلت طرحتها وأخذت نفسا عميقا وحاولت إقناع نفسها أن ما سمعته مجرد سوء فهم ربما الرجل أخطأ أو بالغ أو أساء الظن فؤاد لا يمكن أن يفعل ذلك فؤاد كان هادئا محترما محسوبا في كل خطوة رجل أعمال ناجح معروف بعقله البارد وتنظيمه الشديد ظهر في حياتها بعد وفاة زوجها الأول بسنة واحدة فقط

حادثة سيارة مفاجئة على الطريق السريع قالوا إن الفرامل تعطلت وقالوا قضاء وقدر وانتهت حياة رجل كانت تحبه بهدوء موجع وبعدها وجدت نفسها وحيدة ضعيفة محاطة بالفراغ والخوف وفي وسط كل ذلك ظهر فؤاد قريب العائلة وقف بجوار والدها ساعد في الإجراءات حضر العزاء اهتم بالتفاصيل أوصل والدها إلى المستشفى عندما بدأت مشاكله القلبية تحدث تحدث عن الأمان والاستقرار والمستقبل وأقنع الجميع أنه الرجل المناسب

والدها وثق فيه العائلة وثقت فيه وحتى هي حاولت أن تصدق أن الله يعوضها به لكن شيئا في داخلها ظل متحفظا لم تعرف

له اسما حتى تلك اللحظة

كلمات عامل النظافة

ظلت تدور في رأسها كصدى لا يهدأ كاسك مسحوق أوعي تشربي

خرجت آية من الحمام بخطوات ثابتة تخفي اضطرابها وعادت إلى القاعة حيث كان فؤاد يقف في صدر المكان يضحك ويتحدث مع الضيوف بثقة رجل يظن أن كل شيء تحت سيطرته أمامهما كان هناك كأسان مربوطان بشريط حريري أبيض ضمن طقس من طقوس الاحتفال

جلست بجانبه فمال عليها ووضع يده على ركبتها تحت الطاولة لمسته كانت ثقيلة غير مريحة لم تكن لمسة حب بل لمسة امتلاك وضغط قال بصوت منخفض أين كنت المقدم مستني النخب

أجابته بهدوء مصطنع كنت أظبط الفستان ابتسم ابتسامة خفيفة لكن عينيه ظلتا باردتين وقال خلصي يلا ركزي

الموسيقى علت فجأة والمقدم رفع الكأس ودعا الجميع للصمت التفت فؤاد للحظة يرد على أحد الحضور وفي تلك الثانية القصيرة مدت آية يدها وعدلت الشريط الحريري حول الكأسين وبحركة محسوبة بدلت موضعيهما ثم أعادت يدها إلى مكانها وكأنها لم تفعل شيئا قلبها كان يخبط بعنف لكنها لم ترتجف

عاد فؤاد وجلس ورفع الكأس بثقة وقال بصوت مسموع نخب بداية

عمر جديد رفعت آية الكأس الآخر وابتسمت ابتسامة هادئة

والتقت عيناها بعينيه لثوان شعرت خلالها أن الزمن توقف ثم شرب

في البداية لم يحدث شيء ابتلع الرشفة الأولى بسهولة ثم الثانية لكن فجأة تغير وجهه اختفت الابتسامة وبهت لون بشرته وارتعشت يده ثم سقط الكأس من بين أصابعه وارتطم بالأرض محدثا صوتا حادا قطع القاعة كلها

ساد صمت ثقيل وووو صلي على محمد وال محمد وتابع التعليقات

ساد صمت ثقيل لثوانٍ بدت أطول من عمر القاعة نفسها، كأن الموسيقى والزغاريد والضحكات كلها توقفت عند تلك اللحظة، وعيون الحضور اتجهت فجأة إلى فؤاد الممدد على المقعد ويده ترتجف وملامحه تتغير بسرعة مخيفة، لم يفهم أحد ما يحدث، بعضهم ظنها مزحة ثقيلة أو هبوطًا مفاجئًا في الضغط، وآخرون اعتقدوا أنه توتر عريس في ليلة زفافه، لكن آية كانت الوحيدة التي رأت الحقيقة تتشكل أمامها بوضوح جارح.

ارتفع همس مرتبك بين الصفوف، سيدة صاحت باسمه، رجل تحرك نحوه، المقدم تجمد مكانه لا يعرف هل يكمل الفقرة أم يطلب إسعافًا، وفؤاد حاول أن يتكلم لكن صوته خرج مبحوحًا

متقطعًا،
 حاول أن ينهض فسقط مرة أخرى، عرق بارد غطى جبهته، وشفته

ارتجفت كأنه يحاول التمسك بالحياة أو ربما يحاول إنكار ما يحدث له.

تم نسخ الرابط