ست عجوزه

لمحة نيوز

ست عجوزة جت تبيع دبلة جوازها عشان تدفع وصل نور بـ 300 جنيه.. أول ما شفت الاسم المحفور جوه الدبلة، اتجمدت مكاني وقلت لها: "يا خبر أبيض! أنتي؟!"
أنا بشتغل في محل "دهب كسر" صغير على طرف البلد.
محل بسيط، مكان هادي بـ يقصده الناس لما الدنيا تضيق بيهم وخلاص الحلول تخلص.
كل يوم نفس الروتين؛ ساعات قديمة، غوايش كسر، حاجات عادية..
بس اليوم ده كان مختلف من أول ما الست دي دخلت المحل.
كانت في السبعينات من عمرها، أو يمكن أكبر. لبسها نضيف ومنسق، بس باين على وشها إن الأيام مأكنتش حنينة عليها. إيديها كانت بـ تترعش وهي بـ تقرب من "الفاترينة".
— "لو سمحت يا ابني،" قالت بـ صوت واطي، — "ممكن تقول لي الدبلة دي تجيب كام؟"
حطت الدبلة على الإزاز.
دبلة دهب بسيطة، قديمة وممسوحة من كتر اللبس، بس بـ تلمع.. كأنها لسه غالية عند صاحبتها وبـ تهتم بيها.
مسكت الدبلة، وبدأت أقلبها بين صوابعي: — "يا حاجة، أنتي متأكدة إنك عوزة تبيعيها؟"
ترددت ثانية، وبعدين قالت بـ كسرة: — "مأعنديش حل تاني.. وصل النور متأخر عليا، ومطلوب مني 300 جنيه، وقالوا لي هـ يفصلوا الكهرباء بكرة."
صوتها كان فيه حاجة

خلتني مأقدرش أشيل عيني من عليها.
كملت بـ صوت مخنوق: — "الدبلة دي.. هي اللي فاضلة لي من ريحة الحبايب، دي معايا طول عمري."
هزيت راسي وقربت الدبلة من اللمبة عشان أشوف الختم والوزن.
وفي اللحظة دي.. شفت "السر".
كلمات صغيرة محفورة جوه الدبلة.
في الأول افتكرت إني بـ أقرأ غلط.
بصيت تاني.. ونفسي اتقطع.
إيدي وقفت مكانها، ونبض قلبي زاد.
لثانية، نَسيت أنا فين ومين اللي قدامي.
رفعت عيني وبصيت في وشها بـ ذهول، وقبل ما أسيطر على نفسي قلت لها بـ صوت مأثر:
— "يا خبر أبيض! مش ممكن.. معقول تكوني أنتي؟!"
الدبلة مأكنتش مجرد دهب، دي كانت الدبلة اللي "الممرضة زينب" قلعتها من إيدها وأدتها لـ أمي الغلبانة من 25 سنة في المستشفى عشان تدفع تمن "الحضانة" اللي أنقذت حياتي وأنا لسه مولود! الدبلة كان محفور عليها: (زينب.. أمانة للأبد).
أنا كنت الطفل اللي أنقذته بـ تضحيتها، والنهاردة القدر جابها لحد عندي عشان أرجّع لها دبلتها، وأدفع لها وصل النور، وأشيلها في عيني طول العمر! 👇الست زينب بصت لي بذهول، وهي مش فاهمة ليه الشاب اللي قدامها عيونه دمعت فجأة وساب الدبلة من إيده. قالت بصوت
مهزوز: "يا ابني في إيه؟ الدبلة فيها حاجة غلط؟ لو مش هتجيب تمن الوصل أنا ممكن أمشي.."

أنا مكنتش قادر أنطق، قمت من ورا المكتب ورحت لها، ومسكت إيدها وبستها وأنا ببكي بحرقة. الست اتخضت وقالت: "يا ابني وحد الله، فيه إيه؟"

قلت لها بصوت مخنوق:

"يا أمي.. إنتي مش فاكرة المستشفى العام سنة 2001؟ مش فاكرة الست الغلبانة اللي كانت بتبكي عشان ابنها هيموت لانو مفيش تمن الحضانة؟ إنتي اللي قلعتي دبلتك دي وأديتيها لأمي وقولتي لها (خدي يا أختي.. الضنا أغلى من الدهب)!"

🛑 الذكرى التي لم تمت

الست زينب اتسمرت مكانها، ودموعها بدأت تنزل ببطء وهي بتفتكر.. ملامحها نورت رغم كبرها وقالت بصوت همس:

"إنت.. إنت الطفل ده؟ إنت (ياسين)؟"

قلت لها وأنا بطلع صورتي وأنا صغير من المحفظة اللي أمي دايماً كانت محفظاني فيها قصة "الممرضة الملاك":

"أيوة يا أمي.. أنا ياسين اللي عاش بفضلك بعد ربنا. أمي فضلت تدور عليكي سنين عشان ترجع لك الدبلة بس إنتي نقلتي من المستشفى واختفيتي. أمي قبل ما تموت وصتني وقالت لي (يا ياسين.. لو قابلت الست دي، شيلها في عينيك لانو لولاها مكنتش

هتبقى راجل واقف على رجلك)."

🛑 رد الجميل (المفاجأة)

فتحت الخزنة بتاعتي، وطلعت منها "رزمة فلوس" وحطيتها في إيدها، وقلت لها:

"وصل النور اتدفع يا أمي.. والدبلة دي مش للبيع، الدبلة دي هتفضل في إيدك لآخر يوم في عمرك. ومن النهاردة، إنتي مش هتحتاجي تبيعي مسمار واحد من بيتك، لاني أنا ابنك اللي ربنا بعتهولك عشان يسد دينه."

الست زينب قعدت على الكرسي وهي مش مصدقة، وفضلت تدعي وتصلي على النبي، وقالت كلمة هزت المحل:

"يا سبحانك يا رب.. كنت فاكرة إني لوحدي، ومكنتش أعرف إن ربي كان بيجهز لي (سند) من 25 سنة!"

🔚 النهاية

أخدت الست زينب في عربيتي، ورحت دفعت كل ديونها، وجبت لها كل اللي كان ناقصها في البيت، وخصصت لها "مرتب شهري" يوصلها لحد الباب. الدبلة فضلت في إيدها بتلمع، بس المرة دي مكنتش بتلمع من الدهب، كانت بتلمع من "دموع الفرح".

وعرفت يومها إن الخير م بضيعش، وإن اللقمة اللي بتقدمها لغيرك وأنت محتاجها، هي اللي بتشيلك لما الدنيا تضيق بيك.

العبرة: م تستصغرش أي عمل خير بتعمله، لأنك م تعرفش البذرة اللي بتزرعها النهاردة ه تضلل عليك وتديك ثمارها

امتى.. الست زينب زرعت "حياة" وحصدت "سند" في وقت كانت فيه في أمس الحاجة للرحمة.

 

تم نسخ الرابط