رأيتُ أبي يطلبُ سيارةً على الطريق… وما اكتشفته بعد أن توقّفتُ له حطّم قلبي وغيّر حياتي إلى الأبد

لمحة نيوز

كان المشهد على الطريق السريع صادما إلى حد يجمد الدم.
رجل مسن يقف وحده تحت شمس تحرق كأنها مطرقة من نار
لكنها لم تكن السبب في بكائه.
بل كانت ثلاث سنوات من الصمت وأكثر من ألف يوم من الغياب
على وشك أن تتحطم أمامي بالطريقة الأكثر رعبا التي يمكن تخيلها.
وكنت أنا ذلك الابن الذي سيكتشف الآن حقيقة ستغير حياته إلى الأبد.
كنت أقود سيارتي ال مرسيدس الفاخرة خارج مدريد ورغم نجاحي شركة تكنولوجية تساوي ملايين اليوروهات وشقة راقية في حي سالامانكا كان هناك فراغ يضغط صدري منذ سنوات.
ثلاث سنوات بلا أي اتصال من عائلتي في سبتة.
أتذكر الأسابيع الأولى
كنت أتصل الهاتف يرن ثم ينتهي إلى البريد الصوتي.
ثم صارت المكالمات نفسها لا تستكمل.
أخبرت نفسي أن والدي غييرمو أو أخوي أدريان وبرونو سيتصلون لاحقا.
لكنهم لم يفعلوا ذلك أبدا.
وانشغلت بعملي محاولا إقناع نفسي بأن جروحي صغيرة لكن الحقيقة أنني كنت مجروحا لأن أحدا لم يبحث عني.
وفي النهاية انتصرت في داخلي مشاعر الذنب على الكبرياء.
حجزت أسبوعا كاملا وانطلقت بالسيارة نحو الجنوب إلى ميناء الجزيرة الخضراء لأركب العبارة المتجهة إلى سبتة.
وعند نحو 20 كيلومترا قبل الوصول إلى الميناء رأيته.
رجل مسن واقف على جانب الطريق بجانبه حقيبة بنية بالية يرفع يده طالبا سيارة تقله بحركة ضعيفة يائسة.
شيء في تلك القبعة الرمادية
قبعة تشبه تماما قبعة والدي التي لم يخلعها يوما.
ضغطت على المكابح بقوة.
توقفت المرسيدس على كتف الطريق وارتفعت سحابة غبار صغيرة خلف السيارة. نظرت في المرآة الخلفية. كان الرجل العجوز ما يزال واقفا كأنه لا يصدق أن أحدا قد توقف له.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
لا يمكن أن يكون مستحيل.
فتحت باب السيارة ونزلت. ضربتني حرارة منتصف النهار فورا. كان الرجل ما يزال هناك لا يتحرك على بعد خمسين مترا تقريبا. بدأت أمشي نحوه.
صرخت
عفوا يا عم هل أنت بخير
بدا صوتي غريبا يتردد في صمت الطريق.
لم يجب الرجل. كل ما فعله أنه أطرق رأسه.
اقتربت أكثر وقلبي يخفق بعنف مزيج من الخوف والرجاء السخيف. وحين لم يعد يفصل بيننا إلا خطوات قليلة رفع العجوز رأسه.
كانت عيناه حمراوين منتفختين ووجهه الأسمر مجعدا تكسوه آثار دموع جفت منذ وقت قصير. له لحية بيضاء طويلة متسخة. لكن تلك العينين
عرفت تلك العينين.
كانت عينا أبي.
تجمد العالم من حولي.
ضجيج السيارات المسرعة صار همسا بعيدا.
همست بصوت مبحوح
أبي
بدت الكلمة غريبة على لساني بعد ثلاث سنوات من الصمت.
فتح العجوز فمه لكن لم يخرج سوى شهقة مختنقة. مد يده المرتجفة ولمس ذراعي كمن

يلمس شبحا.
لياندرو يا بني أأنت حقا
صوته كان صوت أبي لكن مكسورا لا يكاد يعرف. انهار غييرمو خارت ركبته وسقط إلى الخلف فوق الحقيبة البنية وانزلقت عصاه بعيدا في الغبار.
جثوت أمامه ممسكا كتفيه الهزيلين. لم يكن سوى جلد على عظم.
أبي ماذا تفعل هنا ما الذي حدث أين الجميع
كنت في حالة صدمة. هذا لم يكن الرجل القوي المعتد بنفسه الذي أعرفه. كان رجلا محطما.
قال وهو ينتحب ممسكا ببدلتي الغالية
أتيت لأبحث عنك يا بني لم يعد لي مكان أذهب إليه. طردوني يا لياندرو. طردوني من بيتي. تركوني بلا شيء. كنت أمشي منذ أيام لأصل إلى مدريد لأصل إليك.
صفعتني هذه الكلمات كضربة على وجهي أفقدتني القدرة على الكلام.
طردوك من طردك يا أبي لا أفهم شيئا.
ساعدته على الوقوف. كان بالكاد يقوى على تثبيت نفسه. جسمي كله كان يرتجف من الغضب والذهول. نظرت حولي. نحن في وسط اللاشيء تحت شمس لا ترحم. كم من الوقت كان أبي واقفا هنا كيف نجا حتى هذه اللحظة الرجل الذي كان يوما ما رمزا للقوة صار الآن ظلا هشا لنفسه.
بحذر شديد أخذت أبي إلى السيارة. فتحت له باب الراكب وأجلسته على المقعد الجلدي. نظر غييرمو إلى داخل السيارة الفاخرة بعينين حائرتين كأنه هبط فجأة في عالم آخر.
ركضت إلى الخلف حملت الحقيبة القديمة والعصا ووضعتهما في صندوق السيارة. كانت الحقيبة خفيفة جدا شبه فارغة. اجتاحني إحساس ببرودة في ظهري. أغلقت الصندوق وعدت إلى مقعد السائق.
ساد داخل السيارة صمت خانق لم يقطعه إلا شهقات أبي المكتومة. شغلت المحرك ورفعت مستوى التكييف. ناولته زجاجة الماء الموضوعة في حامل الأكواب. أمسكها بيدين مرتجفتين وشرب بجشع حتى سال الماء على لحيته الكثة.
قلت وأنا أحاول أن أتماسك
أبي أرجوك حدثني. ماذا حصل أين إستير أين إخوتي أدريان برونو فيرنندا
كل اسم نطقته كان كالسكين. كانوا عائلتي من كان من المفترض أن يعتني به من تركته بين أيديهم وأنا مطمئن. الآن تهاجمني مشاعر الذنب كأنها شاحنة مسرعة.
توقف غييرمو لحظة يلتقط أنفاسه. مسح دموعه بظاهر يده المتسخة.
قال بصوت مبحوح
أخذوا كل شيء يا بني. زوجتك زوجة أبيك إستير. هي من خططت لكل شيء.
كان صوته بالكاد يسمع.
وإخوتك ساعدوها. أداروا ظهورهم لي. عاملوني مثل كلب. طردوني من بيتي.
اشتد قبضتي على المقود حتى ابيضت سلامي. ما زال السيارة متوقفة على جانب الطريق. لم أكن قادرا على تحريكها.
كيف كيف حدث هذا كان البيت بيتك والورشة ورشتك. أنت من بنيت كل شيء.
لم يكن عقلي قادرا على استيعاب ما أسمعه. كأنني في كابوس.
قال بمرارة
كانوا أذكياء يا لياندرو. أذكياء جدا. بدأ
الأمر بعد آخر مرة زرتنا فيها قبل ثلاث سنوات. إستير بدأت تقول إنني أصبحت عجوزا لم أعد أستطيع إدارة المال وإنك أنت تركتنا.
ارتجفت الكلمة في هواء السيارة تركنا.
قلت وأنا أضغط على أناملي
لكنني لم أترككم يا أبي. اتصلت. اتصلت مئات المرات. لم يجب أحد.
كانت حجة ضعيفة حتى في أذني أنا. هل اتصلت فعلا مئات المرات أم فقط في الأسابيع الأولى الحقيقة أنني شيئا فشيئا توقفت عن المحاولة. عملي وحياتي في مدريد تسللا ليصبحا الأولوية.
هز أبي رأسه ببطء
قالت لي إنك لم تتصل أبدا. كانت تردد أمامي شفت يا عجوز ابنك المفضل اللي عايش مثل الملوك في مدريد نسي إنك موجود. كانت تقولها كل يوم يا لياندرو. كل يوم.
نظر إلى يديه المتشققتين المتسختين
وإخوتك صدقوها. بدأوا ينظرون إلي بغضب.
شعرت بالغثيان. استطعت أن أتخيل صوت إستير وهي تقطر سما في آذانهم يوما بعد يوم. تذكرت آخر مرة كلمتها فيها هاتفيا قبل أن تنقطع الاتصالات تماما. كان ذلك قبل ثلاث سنوات حين اتصلت لأبارك لأبي في عيد ميلاده.
قالت يومها ببرود نسبته وقتها إلى التعب
أبوك نايم. إحنا مشغولين جدا هنا يا لياندرو. لا تقلق عليه كثيرا.
تابع أبي
قالت لهم إنك ترسل لي المال سرا ولا تعطيهم شيئا وأني أخفي عنهم كل شيء. لكنك لم ترسل شيئا أليس كذلك
هززت رأسي بدهشة وحزن
لا يا أبي. لم أرسل لأنني كنت أظن أنكم بخير. الورشة كانت تكفيكم. ولم تطلب مني يوما مالا.
قال
أعرف يا بني. لكنها شريرة. قلبها أسود. أدريان وبرونو كانا سهلي التأثير. الغيرة ملأت قلبيهما من نجاحك. إستير استغلت هذا. قالت لهما إنه إن بقيت أنا في الواجهة فستعود أنت وتأخذ كل شيء منهم.
يا لسخف الفكرة. ماذا آخذ منهم كانت لي حياتي ومالي الخاص ولم أفكر يوما أن أمد يدي لشيء من ممتلكات أبي.
في النهاية حركت السيارة. لكن ليس باتجاه الجزيرة الخضراء. استدرت على الطريق السريع عائدا في الاتجاه المعاكس نحو مدريد.
قلت
لن نذهب إلى ذلك البيت يا أبي. سأخذك معي إلى مدريد. هناك ستكون آمنا معي ومع أمي.
لم أكن مستعدا لمواجهة إستير وإخوتي وأبي بهذه الحالة. كنت أحتاج إلى التفكير إلى خطة.
هز أبي رأسه موافقا وقد بدا عليه الارتياح
شكرا يا بني حاولت أن أتصل بك. حين طردوني ذهبت إلى متجر أبحث عن رقمك لكن لم يكن معي شيء. إستير وأولادها مزقوا دفتري القديم. حطموه أمام عيني.
وانهار من جديد
دمروا الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها الوصول إليك. لذلك كنت أمشي. قررت أن أذهب لأبحث عنك في مدريد ولو استغرق الأمر بقية حياتي.
صورة أبي عجوزا مريضا يمشي مئات الكيلومترات على إسفلت محترق
بحثا عني مزقت شيئا في داخلي.
الدموع التي حبستها ثلاث سنوات والتي تغذت من كبرياء مجروح وذنب مكبوت انفجرت فجأة. اضطررت أن أوقف السيارة مرة أخرى لم أعد أرى الطريق من خلال ضباب الدموع. غطيت وجهي بكفي خجلا من نفسي.
قلت وأنا أبكي
سامحني يا أبي كان يجب أن آتي قبل هذا. كان يجب أن أركب طائرة وأعبر المضيق. كان يجب أن أفعل شيئا. أي شيء.
شعرت أنني فاشل رغم كل شيء أنجزته. أموالي نجاحي إنجازاتي لا معنى لها الآن. لم تحم الإنسان الذي منحني الحياة.
وضع غييرمو يده المرتجفة على كتفي وقال
ليست غلطتك يا بني. أنت لم تكن تعرف. هي من عزلتنا. غيرت أرقام الهاتف وقطعت الهاتف الثابت. قالت إن ذلك لتوفير المال. أنا لا أفهم هذه الأمور يا لياندرو. وثقت بها وبأولادي.
كان في صوته من الألم ما يفوق عمق البحر. أخذت نفسا عميقا أحاول ضبط مشاعري. بدأت حرارة الغضب البارد تحل محل الألم.
قلت
وماذا فعلوا أيضا يا أبي كيف أخذوا البيت
كنت بحاجة إلى كل التفاصيل. كل خيط من خيوط هذه الحادثة. لا بد أن أفهم حجم الكارثة كي أبدأ إصلاحها أو الانتقام لها.
اعتدل أبي قليلا في مقعده وقال
منذ حوالي ستة أشهر جاءت إستير بأوراق. قالت إنها تخص تأمين البيت وأنها مرتبطة بقانون جديد. أنت تعلم أنني لا أقرأ جيدا. كنت دائما أثق بها في مثل هذه الأمور.
أومأت برأسي وكتلة من الحزن في حلقي. أبي barely أنهى الابتدائية لكنه أكثر من عرفت عملا واجتهادا.
تابع
ناولتني قلما وأشارت إلى أماكن التوقيع. قالت وقع هنا يا عجوز علشان نبقى محميين. فوقعت. وقعت على أوراق كثيرة. ظننت أنني أحمي عائلتي بيتنا. وفي اليوم نفسه جاء موثق عقود صديق لأدريان.
سألت وأنا أعرف الإجابة مسبقا
تلك الأوراق لم تكن تأمينا أليس كذلك
هز رأسه
لا يا بني. كانت توكيلا عاما. سلمتها كل شيء. البيت الورشة مدخراتي كل شيء.
سذاجة أبي وثقته العمياء به دمرتاه. وأنا لم أكن هناك لأحميه.
قال
في اليوم التالي تغير كل شيء. توقفت إستير عن التمثيل. صارت تعاملني كعبء. تصرخ في وجهي شيل غراضك من هنا يا عجوز عديم الفايدة! نقلوني من غرفتي إلى المخزن الصغير في الحديقة. أدريان وبرونو استلموا الورشة بالكامل. باعوا آلاتي التي اشتريتها بعد ثلاثين عاما من العمل. قالوا إنهم سيحدثون الشغل.
عضضت على أسناني. ورشة النجارة كانت فخر أبي حياته. كان حرفيا لا رجل أعمال. يصنع الأثاث بيديه قطعا لا تتكرر. التحديث بالنسبة لهم يعني بيع المعدات خردة وأخذ المال سريعا.
قلت
وفيرنندا هل شاركت هي أيضا في هذا
كانت أختي الصغرى التي دللتها كثيرا.
تنهد أبي
فيرنندا
صغيرة يا لياندرو. وإستير ملأت رأسها بالحماقات. وعدتها بسيارة جديدة وملابس غالية. قالت لها إني بخيل لا أريد أن
 

تم نسخ الرابط