تظاهر بفقدان الوعي… فسمع الحقيقة التي حطّمت عالمه وبنت له عائلة جديدة
المحتويات
كانت قطرات المطر تنحدر ببطء على زجاج النافذة الواسعة في جناح القصر كأن السماء تبكي بدلا عن كل من كان داخل ذلك البيت الذي خيم عليه الصمت كل خط مائي كان يسقط ببطء يتجمع عند الحافة ثم ينهار إلى أسفل الزجاج كدمعة فقدت صبرها
وفي قلب ذلك السكون استيقظ ريناتو بارسيلوس
فتح عينيه بصعوبة شديدة وكأن الجفون كانت أثقل من الحجر شعر بلسعة في صدره ورنين خافت في أذنيه وآلام تمتد من كتفه إلى ضلوعه كان جسده يئن من الصدمة لكنه قاوم الرغبة في الحركة
لم يتحرك
لم يرمش كثيرا
لم يغير من موضعه على السرير
تظاهر بأنه ما يزال غارقا في الغيبوبة
لم يكن ذلك تمثيلا من رجل متعب بل كان قرارا
قرارا صامتا ثقيلا لا يشبه أي قرار اتخذه في حياته
كان يشعر يشعر بأن شيئا في هذا القصر تغير
شيئا لم يتوقعه
شيئا أخطر من الحادث ذاته
كان يريد أن يعرف
من
من اكتفى بالدعاء له
ومن يرى مرضه فرصة للهرب أو للانتفاع
مرت دقائق طويلة ربما ساعات وهو يراقب العالم عبر نصف عين مغلقة بينما يتظاهر بأنه غائب تماما لم يكن يسمع سوى صوت المطر وأنفاسه البطيئة والآلات الطبية التي تشير إلى حياته المتعثرة
إلى أن فتحت باب الغرفة
دخلت زوجته ميلينا
كانت جميلة أنيقة ومتماسكة دائما لكن اليوم كان هناك شيء ما يختلف في وجهها برد واضح يسكن نظراتها وتوتر خفيف في كتفيها اقتربت من السرير وقفت قربه لحظات نظرت إليه طويلا لكنها لم تلمس يده ولم تضع رأسها على صدره ولم تهمس بالدعاء
بل مررت يدها فوق شعرها ثم قالت بصوت منخفض وكأنها تتحدث مع نفسها أو مع شخص عبر الهاتف
الطبيب قال إن حالته غير مستقرة وإن الأمر قد يطول
وقفت لحظة أخرى ثم أضافت
علينا تجهيز الأوراق أي احتمال يجب أن نكون مستعدين له
لم تكن تتحدث بخيانة
لكن كلماتها انغرست في صدره كإبرة باردة
كانت تفكر في الورثة في الإجراءات في المستقبل وحدها مع الأطفال
ولم تكن تذكر كلمة واحدة عن اشتياقها لعودته
في الخارج قرب الباب سمعهما
طفلان صغيران
كايو وإستيلا
كانا يطرقان بخجل على الباب
ماما نريد رؤية بابا
نريد الاقتراب منه
نريد أن نلمس يده
لكن ميلينا رفعت يدها لتسكتهم
ليس الآن لا أريد أن تروا هذا المنظر اذهبا مع المربية
كانت تحاول حمايتهما أو هكذا كانت ترى الأمر
لكنها كانت تحجب عنهما آخر ما تبقى من دفء في هذا البيت
أما ريناتو فكان يسمع كل كلمة
كل كلمة
وبعد ساعات من الوحدة دخلت امرأة أخرى
امرأة مختلفة تماما
روزا
عاملة التنظيف
لم تكن ترتدي سوى زي بسيط مئزر باهت وشعر مربوط بإحكام لكنها
اقتربت من السرير ببطء شديد ثم وقفت بصمت لثوان طويلة
كانت تنظر إليه كما تنظر الأم إلى طفلها
رفعت الغطاء فوق كتفه برفق
مسحت على جبينه برقة نادرة
وسوت الوسادة خلف رأسه
ثم همست
اصمد يا سيد ريناتو أطفالك يحتاجونك لا تدع المرض يأخذك منهم
كان صوتها ناعما صادقا لا يشبه صوت أي شخص في القصر
وفي تلك اللحظة لاحظ شيئا
كانت عينا روزا حمراوين
وجهها شاحبا
ونظراتها تهرب كلما شعرت بأنها على وشك الانهيار
لم يشأ أن يتحرك لكنه كان يتساءل
ما الذي يحدث معها
بينما كانت تلمس الوسادة رن هاتف صغير داخل جيبها
ارتجفت يدها فورا
لم ترد أن يرن
لم ترد أن يسمع أحد
لكنها أجابت بصوت خافت
ألو دكتور
ثم صمت قاتل
ثلاثة أشهر فقط
هل هذا يعني أنه لا يوجد علاج آخر
لكنها
كان صوتها ينكسر تدريجيا
متابعة القراءة