قصة فتاة فقيرة هزّت قلوب الملايين… البداية كانت في القمامة!

لمحة نيوز

تعلمت كاميلا راميريز في وقت مبكر جدا أن تقيس الزمن بوزن كيس. إن كان الكيس خفيفا فذلك يعني أن الطعام تلك الليلة سيكون أقل. وإن كان أثقل قليلا فربما يكفي لشراء علبة دواء الضغط لجدتها مرسيدس. في الثامنة من عمرها حافية القدمين وقد قست قدماها من حرارة تراب أطراف مدينة مكسيكو كانت كاميلا تسير بين أكوام الخردة كما يسير المرء بين الأسئلة ما الذي له قيمة ما الذي ينفع ما الذي ينقذني اليوم
في ذلك المساء بدا المكب المهجور في نهاية شارع دل كاريو أكثر صمتا من المعتاد. كانت الشمس تهبط ببطء والهواء مشبعا برائحة المعدن الصدئ والبلاستيك المحترق ومن بعيد كانت تسمع نباحات كلاب بدت دائما كأنها تحذير. راحت كاميلا تفتش بين قطع الأسلاك والعلب المعدنية المسحوقة حتى لمعت قطعة نحاس كأنها وعد. فكرت في جدتها في دوار الصباح في السعال الجاف وفي الكرامة العنيدة التي تجعلها تقول دائما أنا بخير حتى حين لا تكون كذلك.
ثم حدث الأمر.
لامست أصابعها شيئا ناعما بين الأنقاض شيئا لا ينبغي أن يكون هناك. أزاحت بعض الصناديق الكرتونية الرطبة فرأته. رجل ضخم الجثة يرتدي بدلة داكنة ملقى كأن المكب لفظه. كان وجهه ملطخا بالتراب وعلى حاجبه جرح ظاهر وشفاهه جافة

لكنه كان يتنفس. وعلى معصمه رغم الغبار كانت تلمع ساعة ذهبية بدت كنجمة عالقة.
تجمدت كاميلا في مكانها. ارتفع الخوف إلى حلقها لكنه لم يكن خوفا فقط بل حدسا. ففي ذلك الحي لا يظهر الناس في مكب وهم يرتدون بدلات أنيقة من قبيل المصادفة.
سيدي همست وهي تلمس كتفه.
تأوه الرجل مجرد صوت خافت كأن الحياة تتطلب منه جهدا.
نظرت كاميلا حولها. لا أحد. لكن في الأطراف أحيانا يعني لا أحد أن هناك من يراقب دون أن يرى. كانت تعلم ما سيحدث إن ركضت لطلب المساعدة سيأتي بعضهم بدافع الرحمة وآخرون بدافع الفضول وغيرهم لما قد يحمله الرجل في جيوبه. وساعة كهذه قد تظهر أسوأ ما في النفوس.
شدت شفتيها وأمسكت بزجاجة ماء كانت قد وجدتها سابقا ورفعت برفق رأس الغريب قليلا. بللت شفتيه ببطء كأنها تستأذن العالم أن يستمر في الدوران. ارتجفت جفناه وانفتحا. عينان خضراوان صافيتان تائهتان.
أين أنا سأل بصوت متقطع.
في المكب أجابت كاميلا بخفوت. لقد تأذيت.
حاول أن ينهض فأعاده الألم إلى الأرض. وضع يده على رأسه حائرا كأنه يبحث عن باب في ذهنه فلا يجد سوى جدار.
لا أتذكر شيئا كيف وصلت إلى هنا ما اسمي
شعرت كاميلا بوخزة غريبة. لم تكن شفقة بل إحساسا بالمشابهة. فهي أيضا تعرف معنى
أن تكون تائها.
عليك أن تخرج من هنا قبل أن يحل الليل قالت. ليلا يصبح المكان خطيرا.
وماذا تفعلين أنت هنا
ترددت لحظة لكن عينيه لم تخيفها. منحتاها شعورا بأن العالم لأول مرة يطلب منها أن تكون أكثر من طفلة تجمع المعادن.
أبحث عن أشياء لأبيعها. جدتي مريضة. أحتاج إلى شراء دواء.
نظر إليها كما لو أن كلماتها أحدثت شقا في داخله.
كم عمرك
ثمانية أعوام. لكنني أعرف كيف أعتني بنفسي.
حاول الوقوف فارتجفت ساقاه.
أظن أنني لا أستطيع المشي بعيدا
رفعت كاميلا نظرها إلى السماء التي بدأت تتدرج من الأزرق الشاحب إلى برتقالي داكن يشبه جمرة تستعد للانطفاء. كانت الغيوم تتحرك ببطء كأنها تفكر قبل أن تسمح لليل بأن يسدل ستاره. في صدرها تضاربت الأصوات. صوت حاد خائف يقول لها اذهبي لا تتورطي أنت طفلة وهذا ليس شأنك. وصوت آخر أبطأ وأعمق يشبه دفء كف جدتها حين تمسح على شعرها يقول إن استطعت أن تساعدي فافعلي حتى لو لم يفعل غيرك.
أغمضت عينيها لحظة ثم فتحتهما بقرار لم يكن في حجم جسدها الصغير.
تعال معي قالت. ليس فندقا لكنه سقف. وسقف خير من العراء.
نهض الرجل متكئا على الحائط ثم على كتفها. كانت صغيرة لكنه شعر كأنها تمنحه توازنا لم يجده في قدميه. سارا عبر الأزقة
الضيقة التي كانت تعرفها كاميلا كما يعرف المرء خطوط كفه. الحفر المنتشرة في الأرض كانت تبتلع ماء المطر القديم والظلال الطويلة تمتد كأذرع خفية. من خلف الأبواب المعدنية كانت أصوات أجهزة التلفاز تختلط بصوت أواني المطبخ وصراخ أطفال وضحكات متعبة.
كانت تمشي بثبات يفوق عمرها تنظر خلفها كل بضع خطوات تتأكد أنه ما زال قادرا على الاستمرار. لم تكن تدرك أن حياتها تنزلق ببطء نحو منعطف لا عودة منه. لم تكن تعرف أن هذا الرجل الذي بلا اسم يحمل خلف عينيه عالما آخر عالما من ناطحات سحاب وصفقات وخيانات وأسرار مدفونة. كانت تعرف شيئا واحدا فقط أن الليل يقترب وأن الإنسان إذا ترك وحيدا في العراء قد لا يصحو.
وصلوا أخيرا إلى الكوخ الصغير المصنوع من ألواح خشبية وصفائح معدنية صدئة لكنه قائم بكرامة. كان نظيفا بطريقة تربك كأن الفقر حاول مرارا أن يقتحمه فوجد بابا مغلقا بترتيب وإصرار. في الفناء الصغير كانت الحديقة تنمو كما تنمو الأحلام في الأماكن الضيقة بصعوبة لكن بعناد. كزبرة خضراء تفوح برائحة الحياة طماطم حمراء تتدلى مثل قلوب صغيرة وجزر نحيل يخرج من التربة الجافة متحديا قسوتها.
جدتي! نادت كاميلا. أحضرت شخصا يحتاج إلى مساعدة.
خرجت دونيا مرسيدس
ببطء تمسح يديها
 

تم نسخ الرابط