كنا نظن أننا أبناء صالحون… حتى عدنا واكتشفنا الحقيقة

لمحة نيوز

لن أنسى حرارة ذلك اليوم.
كان الأمر وكأن الشمس نفسها تريد أن تذكرني بكم من الوقت بقيت بعيدا.
ثلاث سنوات.
خمس سنوات.
عشرة آلاف مكالمة فيديو.
آلاف الدولارات المرسلة.
ومع ذلك كنت أظن أن ذلك يكفي لأقول إنني كنت ابنا صالحا.
اسمي راؤول.
أبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاما.
أنا مهندس وأعمل في دبي.
اعتدت على الصحراء وعلى الفولاذ وعلى المخططات الصلبة وعلى المقاييس الدقيقة.
لكن أيا من مخططات حياتي لم يعدني لذلك اليوم.
كنت برفقة إخوتي ماريا الوسطى ودييغو الأصغر.
خرجنا نحن الثلاثة من المطار نجر حقائبنا ونحمل الابتسامة نفسها المليئة بالأمل.
هل تظن أن أمي ستتفاجأ سألت ماريا وهي تسحب حقيبتها.
بالطبع أجبت إنها تعتقد أنك وحدك القادمة.
ضحك دييغو وهو يرتب حقيبته على كتفه.
بالتأكيد أصبحت أكثر امتلاء. ربما لا نتعرف عليها.
ضحكنا.
ضحكنا بصدق.
لم يكن في تلك الضحكة أدنى ذرة شك.
على مدى خمس سنوات كنا نرسل المال تقريبا كل شهر.
أنا أربعون ألف بيزو شهريا.
ماريا بين خمسة وعشرين وخمسين ألفا.
ودييغو رغم أنه الأصغر كان يرسل دون انقطاع.
مكافآت. إضافات. منح نهاية العام.
في ذهني كانت حياة أمي مريحة.
منزل لائق.
تلفاز.
ثلاجة.
سرير وثير.
لا مشي لمسافات طويلة.
لا جوع.
هذا ما كنت أعتقده.
استقللنا سيارة أجرة متجهين إلى إيزتابالابا في مدينة مكسيكو.
وخلال الطريق

كنا نتحدث عن خططنا.
هل رأيت آخر تحويل أرسلته سألت ماريا خمسون ألفا. كان عيد ميلادها.
نعم أجبت خالي روبين قال إنهم احتفلوا. حتى أنهم أعدوا لحما.
وأنا أرسلت مبلغا إضافيا في عيد الميلاد أضاف دييغو.
أومأت.
خلال خمس سنوات تجاوز المبلغ بسهولة ثلاثة ملايين بيزو.
تنهدت ماريا.
أمي تستحق ذلك. كل ما ضحت به من أجلنا.
عندها داهمتني الذكريات.
أمنا تبيع في السوق الشعبي من الفجر حتى الليل.
أمنا تعود مرهقة متعرقة لكنها ما تزال تبتسم.
أمنا التي كانت كثيرا ما تمتنع عن الطعام لكي نحمل نحن وجباتنا المدرسية.
أمنا التي كانت تجعل حساء الخضار البسيط يبدو عشاء عيد الميلاد.
لهذا قلت حان دورها الآن.
لكن كلما اقتربنا من العنوان كان هناك شيء لا يستقيم.
راؤول قال دييغو عابسا ألم يكن من المفترض أن يكون هذا مجمعا سكنيا
نظرت من النافذة.
شوارع ضيقة.
أطفال يلعبون في الوحل.
بيوت من الصفيح والكرتون والخشب.
هذا هو العنوان الذي أعطانا إياه خالي روبين أجبت.
لكن في صدري كانت وخزة خوف واضحة.
توقفت سيارة الأجرة.
نزلنا.
حرارة.
غبار.
رائحة مجار.
لم يكن هذا العالم الذي تخيلناه.
راؤول همست ماريا هل أنت متأكد
لم أجب.
اقتربت من سيدة مسنة كانت تغسل الملابس في الخارج.
من فضلك قلت هل تعيش هنا السيدة فلورنسيا سانشيز
حدقت في.
اتسعت عيناها.
هل أنتم أبناء دونيا فلور
نعم سيدتي.

هزت رأسها وعيناها تفيضان بالدموع.
يا إلهي يا أبنائي لماذا الآن فقط
شعرت بأن جسدي يتجمد.
أين أمي سألت ماريا بصوت مرتجف.
أشارت المرأة إلى نهاية الزقاق.
هناك لكن يا أبنائي هل أنتم مستعدون
لم نسأل شيئا آخر.
ركضنا.
كان الكوخ صغيرا.
يكاد ينهار.
لا باب.
مجرد ستارة مصنوعة من كيس قديم.
دخلت ماريا أولا.
وسمعت صرختها.
يا إلهي أمي!
دخلت أنا.
ثم دييغو.
في زاوية مظلمة فوق حصير قديم كانت ترقد امرأة.
هزيلة إلى حد مرعب.
جلد وعظام.
شعر أبيض متشابك.
ملابس قديمة ممزقة.
توقف ذهني.
أمي همست.
فتحت عينيها ببطء.
راؤول قالت بصوت واهن هل أحلم
جثوت إلى جانبها.
أمسكت يدها.
باردة.
خفيفة أكثر مما ينبغي.
لا يا أمي بكت ماريا نحن هنا.
عانقتها.
كان الأمر كأن تعانق الهواء.
لم أعرف كيف أتنفس.
أين المال
أين كل ما أرسلناه
نظرت حولي.
لا شيء.
لا طعام.
فقط علبة سردين في زاوية.
أمي سألت ماريا متى أكلت آخر مرة
أمس أجابت أعطاني أحدهم قطعة خبز.
نظرت إلى الساعة.
الساعة الثانية بعد الظهر قلت شبه صارخ.
نهض دييغو يرتجف غضبا.
سأذهب لأبحث عن روبين.
انتظر أوقفته.
لكن الغضب كان يلتهمني أنا أيضا.
في تلك اللحظة دخلت امرأة مسنة أخرى.
يا أبنائي قالت أنا دونيا بياتريس.
نظرت إلينا بحزن.
حان الوقت لتعرفوا الحقيقة.
وفي تلك اللحظة انهار كل ما كنا نعتقده.
الحقيقة
المال لم يصل قط
إلى أمنا.
الحقيقة
طوال خمس سنوات كانت مخدوعة.
الحقيقة
الشخص الذي وثقنا به كان السبب في أنها كادت تموت.
وهناك فقط بدأت الكابوس.
بينما كانت دونيا بياتريس تتحدث شعرت بأن العالم ينهار فوق رأسي.
كل المال الذي كنتم ترسلونه قالت بصوت مرتجف لم يكن يذهب إلى دونيا فلور. روبين احتفظ به كله.
شعرت بشيء ينفجر في رأسي.
ماذا همست.
كان هو من يستلم التحويلات تابعت في البداية قال إنه سيساعد فقط. إنه أسهل بهذه الطريقة. أنتم وثقتم به. وهي أيضا.
هزت رأسها باكية.
لكنه احتفظ بكل شيء. قمار. ملذات. ترف.
مستحيل! صرخ دييغو كنا نتحدث معه دائما!
نعم أومأت لكنه قبل كل مكالمة كان يأخذ أمكم إلى بيته ويجبرها على القول إنها بخير. وإن رفضت كان يهددها.
نظرت إلى أمي.
هل هذا صحيح سألت بصوت مكسور.
أومأت والدموع تنساب بصمت.
سامحوني يا أبنائي همست لم أرد أن أقلقكم.
شعرت وكأن سكينا غرس في صدري.
لماذا لم تخبرينا صاحت ماريا.
كانت أحلامكم أهم أجابت أمي حتى لو كان علي أن أعاني.
خمس سنوات.
خمس سنوات نعتقد أن المال يكفي.
أين يسكن سأل دييغو.
في مجمع سكني أجابت دونيا بياتريس في منزل كبير.
أغمضت عيني.
ترف بني على جوع أمي.
وصلت سيارة الإسعاف.
أخذوها إلى المستشفى.
طوال الطريق لم أفلت يدها.
سامحيني يا أمي همست.
ابتسمت ابتسامة ضعيفة.
أنت هنا الآن.
في المستشفى كان الطبيب
واضحا.
حالتها حرجة. سوء تغذية حاد وجفاف. لو وصلتم متأخرين قليلا
لم يكمل الجملة.
افعلوا كل ما يلزم قلت كل شيء.
جلسنا في صمت.
ذنب.
غضب.
ألم.
أنا المذنبة قالت ماريا
 

تم نسخ الرابط