طلقت مراتي بعد فترة بسيطة من جوازنا

لمحة نيوز

صافي فضلت ترغي وتشتكي طول الطريق، وصوتها كان بيخبط في نفوخي زي الشاكوش: "أنا مش هسكت، أنا هكلم صاحب المحل، أنا هوديها ورا الشمس، إزاي حتة بياعة زي دي ترفع عينها فيا؟"
وأنا ولا هنا.. كنت سايق ودمي بيغلي، مش منها، من نفسي. كنت شايف ليلى في كل إشارة مرور، شايف وشها الباهت اللي كان زمان بينور لما بدخل البيت، شايف إيدها اللي كانت زي الحرير ودلوقتي الكلور أكلها.
​فجأة، من غير ما أفكر، فرملت العربية بقوة لدرجة إن صافي اتنطرت لقدام وصرخت: "إيه يا أحمد! في إيه؟ أنت اتجننت؟"
بصيت لها ونطقت لأول مرة ببرود مرعب:
"انزلي."
​بصت لي بذهول: "نعم؟ أنزل فين؟ إحنا في نص الطريق!"
قلت لها بصوت أعلى وهدوء يسبق العاصفة: "بقولك انزلي يا صافي.. اطلبي أوبر، خدي تاكسي، مش عايز أشوف وشك دلوقتي.. مش عايز أسمع صوتك."
صافي بدأت تصوت وتغلط، بس أنا مديتهاش فرصة، نزلت فتحت لها الباب وشديتها من إيدها -الإيد اللي مليانة غوايش دهب بفلوسي- ونزلتها على الرصيف، وركبت وعملت (U-turn) ورجعت للمول بأقصى سرعة عندي.
​دخلت المول زي المجنون، قلبي بيدق في رجلي مش في صدري. وصلت قدام المحل.. وقفت بعيد أراقبها من ورا الفاترينة.
ليلى كانت قاعدة على كرسي صغير في ركن المحل، مكنش فيه زباين.

 

كانت حانية راسها بين إيدها وبتعيط.. بس من غير صوت. كتافها كانت بتتهز بوجع، الوجع اللي أنا كنت سببه من شهور لما رميتها وهي ملهاش حد، والوجع اللي كملت عليه صافي

النهاردة.

​رجلي مكنتش شايلاني أدخل، بس دخلت. أول ما جرس الباب رن، مسحت دموعها بسرعة ووقفت، رسمت الابتسامة المهنية الباهتة وقالت وهي مدياني ضهرها:

"أهلاً يا فندم، أي خدمة؟"

​لفت.. وشافتني. الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة رعب وكأنها شافت عزرائيل. رجعت خطوة لورا وقالت بصوت مرعش:

"أنت رجعت ليه؟ لو سمحت اخرج بره.. أنا مش حمل مشاكل، صاحب المحل لو جه و..."

​قاطعتها وأنا بطلع ورقة الخمسين جنيه من جيبي، الورقة اللي كانت صافي رمتها تحت رجلها. حطيتها على الفاترينة قدامها وقلت بصوت محشرج:

"أنا مخدتهاش عشانها يا ليلى.. أنا خدتها عشان المحل نضيف، ومينفعش حاجة وسخة زي دي تفضل على الأرض في مكان إنتي واقفه فيه."

​ليلى بصت للفلوس، وبعدين بصت لي، وضحكت ضحكة وجع قطعت قلبي ميت حتة:

"دلوقتي يا أحمد؟ دلوقتي جاية تنضف وراها؟ طب والوساخة اللي إنت سيبتها في قلبي يوم ما طلقتني عشان 'زهقت'؟ والكسرة اللي كسرتها لي وأنا ماليش ضهر؟ دي مين هينضفها؟"

​قربت منها خطوة: "أنا عارف إني غلطت.. مكنتش فاهم قيمتك، كنت فاكر إن الهدوء ملل، بس اكتشفت إنه كان أمان.. ليلى، ارجعي لي."

​بصت لي بذهول، وكأنها مش مصدقة الجرأة اللي بتكلم بيها، وبعدين بصت لإيدها "الخشنة" اللي صافي اتريقت عليها، ورفعتها قدام وشي وقالت بقوة:

"الإيد دي اللي ريحتها كلور

 

ومنظفات، أشرف لي بمية مرة من عيشة كنت فيها 'ديكور' في حياتك.

أنا النهاردة عرفت قيمتي يا أحمد، عرفت إني قوية لدرجة إني قدرت أقف قدامك وقدام مراتك وأنا بمسح دمعتي وبكمل شغلي. ارجع لك؟ ارجع للي سابني ورماني وأنا ماليش حد عشان 'زهق'؟"

​سكتت لحظة، ونظرة عينيها اتحولت لجليد:

"أنا النهاردة مكنتش بلم الفستان من على الأرض.. أنا كنت بلم اللي فاضل من ذكراك جوايا وأرميه في الزبالة. اتفضل اخرج بره.. والمرة دي بجد، وإلا هطلب الأمن يرميك زي ما رميتني."

​خرجت من المحل وأنا حاسس إني عريان، ضئيل، وصغير أوي. بصيت على نفسي في مراية المول، شفت واحد لابس أغلى لبس بس "روحه" مقشرة وتعبانة زي جزمة ليلى اللي صافي اتريقت عليها. ليلى مكنتش محتاجة حد يشيلها.. أنا اللي كنت محتاج حد ينقذني من القرف اللي رميت نفسي فيه، بس للأسف.. الأوان كان فات.

رجعت لصافي البيت، لقيتها قالبة الدنيا، صريخ وعياط واتهامات بإن "البياعة" دي سحرتلي أو إني لسه بحن لفقرها. كنت سامعها وهي بتتكلم وكأني بتفرج على فيلم قديم، "أكشن" ملوش معنى وصوت عالي على الفاضي. بصيت لها ببرود وقلت لها جملة واحدة سكتتها:

"إنتي طالق يا صافي."

قعدت على الكنبة وهي مبرقة، مذهولة إن الرفاهية واللبس والمظاهر اللي كانت عايشة فيها طارت في لحظة غضب. بس الحقيقة مكنش غضب، كان "فوقان". مكنتش طالقها عشان ليلى هترجع لي، أنا عارف إن ليلى "ماتت" بالنسبالي من اللحظة اللي شفت فيها نظرة القرف في عينها، بس طلقتها لأني عرفت إن اللي كنت بسميه

"نبض"

 

كان مجرد ضوضاء بتغطي على صوت ضميري.

مرت الأيام، وبقيت كل يوم والتاني أروح المول. مكنتش بدخل المحل، كنت بكتفي إني أقف بعيد، ورا عمود أو في كافيه قصاد المحل، أراقبها من بعيد.

شفتها وهي بتترقى وبقت هي المسؤولة عن الفرع، شفت ضحكتها وهي راجعة لوشها بس المرة دي ضحكة "ست" حاربت الدنيا وكسبت، مش ضحكة الست المستسلمة اللي كانت مستنية رضاي في البيت.

في يوم، شجعت نفسي وقررت أبعت لها رسالة مع حد من أفراد الأمن في المول. كتبت فيها: "أنا طلقت صافي، ومش طالب منك غير إنك تسامحيني.. مش لازم ترجعي، بس سامحيني عشان أقدر أعيش."

استنيت بره المول لحد ما شفتها خارجة في ميعاد روحواها. شافتني واقفه، مشيت ناحيتي بكل ثبات، ووقفت قصادي. طلعت ورقة الرسالة من شنتطها، وقطعتها قدام عيني ميت حتة، وقالت بهدوء يوجع أكتر من الصريخ:

"المسامحة دي للي غلبته ظروفه يا أحمد، مش للي داس على كرامة حد عشان 'يغير جو'. أنا مش كارهاك، أنا أصعب من الكره.. أنا مابقتش شايفاك أصلاً. إنت بقيت بالنسبة لي زي الفستان اللي وقع على الأرض في المحل.. نفضته من ترابه، وركنته، ومستحيل أفكر ألبسه تاني."

سابتني ومشيت، وخطوات كعب جزمتها "الجديدة" كان ليها رنة عزة وفخر بتهز المول كله. وقفت أتفرج عليها وهي بتبعد، ولأول مرة أحس بمعنى كلمة "مالهاش حد". ليلى مكنش مالهاش حد.. ليلى كان ليها "نفسها"، وأنا اللي اكتشفت في الآخر إني أنا اللي

"ماليش حد"، واني بعت الجوهرة عشان خاطر حتة إزاز بتلمع، وفي الآخر.. لا طولت الجوهرة، ولا الإزاز

 

نفعني وقت العتمة.

تم نسخ الرابط