قصة حورية
في كل تصرفاته رجولة كاملة.
كنت أخاف من أن يراني ذات يوم عادية أو ليست جميلة خصوصا عندما كان يحكي لي عن ماضيه وكيف كان يحب الفتيات الجميلات قبل الحادث. لكن مع مرور الوقت اكتشفت أنه لم يعد يرى الجمال كجسد بل كروح.
قال لي مرة وأنا أضع له الطعام
عارفة يا حورية فيه حاجات الواحد ما يكتشفهاش غير لما يخسر بصره الجمال الحقيقي مش بيبان بالعين الجمال الحقيقي بيتحس.
وكانت تلك الجملة كأنها خلعت كل خوفي من صدري.
رغم كل السعادة كان هناك حلم يطارده أن يعود له بصره.
كان كلما ادخر مالا حجز موعدا مع طبيب جديد وبدأ رحلة أمل جديدة. خضع لعدة عمليات لزراعة القرنية وفي كل مرة كانت تقابل بالفشل. ومع كل فشل كنت أتنفس الصعداء ثم أبكي خجلا من نفسي.
لم أكن أريد له أن يبقى ضريرا ولكن كنت أخشى أن يبصرني.
هل سأعجبه هل سيبقى يحبني كما أحبني دون أن يراني
هل سيقارنني بغيري من الجميلات من حوله
أسئلة كثيرة كانت تؤرقني ليلا وتربكني في النهار.
ومع كل ذلك
لم أظهر له خوفي. بل كنت أدعمه وأمسك بيده وهو ذاهب إلى العمليات وأدع الله أن يمنحه البصر بينما في داخلي كنت أتمزق.
وجاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء
بعد عشر
في اليوم الموعود سافرت معه وجلست في المستشفى بين رجاء وخوف. كانت العملية دقيقة استغرقت ساعات طويلة كأنها دهر كامل. وعندما خرج الطبيب قال بابتسامة
العملية نجحت. عليه فقط أن يبقى معصوب العينين عدة أيام وبعدها نزيل الغطاء وننتظر النتيجة النهائية.
عدنا إلى المنزل وأنا أعيش بين دعاء صادق وقلق شديد. صرت أراقب نفسي في المرآة كثيرا أعد التجاعيد أبحث عن ملامح الجمال المدفون أضع قليلا من المساحيق ثم أزيلها سريعا وأقول لنفسي
ما الفائدة هو لم يرني هكذا ولن يقبل بي كما أنا.
وأخيرا جاء اليوم. دخل الطبيب وبدأ في إزالة الغطاء قطعة قطعة. لم أتحمل وخرجت من الغرفة مع الأطفال وجلست في الزاوية البعيدة أضم نفسي وأرتجف.
بعد دقائق قليلة سمعنا صوت بكاء محمود. دخل
الطبيب مبتسما وقال
إنه يرى الآن رؤيته تعود تدريجيا لكنه يستطيع تمييز الأشكال والألوان.
دخلنا عليه كان
الأطفال واحدا تلو الآخر ثم قبل والدته ووالده وبدأ ينظر حوله ثم سأل
حورية فين حورية
ارتعش قلبي. لم أتحرك. شعرت بأن أقدامي كبلت.
أشار الطبيب لي أن أقترب فاقتربت على مضض. وحين أصبحت أمامه نظر إلي مطولا ثم ابتسم وقال
أخيرا شوفتك يا عروستي الجميلة!
انهمرت دموعي بلا توقف لا من الفرح فقط بل من الذهول. لم أكن أصدق أن أول كلماته بعد أن أبصرني كانت جميلة.
ضمني أمام الجميع وقبل يدي وقال
أكتر بكتير من اللي كنت متخيل قلبك كان بيقوللي إنك حلوة بس الحقيقة إنك أجمل من كل اللي شفتهم قبل كده.
عدنا إلى بيتنا. كان محمود يكتشف تفاصيل الحياة من جديد كان يتحرك في البيت ببطء يمسك الأشياء ويتأملها. كنت أراقبه وأبتسم لكن قلبي لم يكن مطمئنا بعد.
كنت أقول لنفسي هو بس بيحاول ما يجرحنيش بس أكيد هيتغير. أكيد أول ما يشوف بنات الشركة أو قريباته هيبدأ يقارن وهيبعد.
أصبحت أعيش صراعا داخليا حبي له يقابل وساوس قلبي. كنت أتحسس تصرفاته أفتش في عينيه أراقب اهتمامه بي لكن المفاجأة كانت في ثباته. لم يتغير بل زاد اهتمامه.
صار كل يوم يعود بهدية صغيرة أو كلمات حب أكبر. كان
دلوقتي بشوفك وبحبك أكتر.
بعد عامين من نجاح العملية وفي يوم حزين فقدت والدي في حادث مفاجئ. انهرت تماما. كانت روحي مثقلة بالحزن وكأن الأرض فقدت توازنها من تحتي.
لكن محمود كان أول من وقف إلى جانبي. لم يكتف بأن يواسيني بالكلام بل كان الأب الذي فقدته وكان لي الأم والصديق والسند. كان يحضر لي الطعام بيده يلبسني حجابي حينما كنت لا أقدر يجلس جواري بالساعات ويقرأ لي القرآن حتى أهدأ.
وفي إحدى الليالي قال لي وهو يربت على ظهري
أنا مش بس جوزك أنا ابنك وأبوك وأخوك وكل اللي محتاجاه في الدنيا.
نظرت له والدموع تملأ عيني وقبلت جبينه وقلت
الحمد لله إني قبلت أتجوزك الحمد لله إني سمعت كلام جدتي.
مرت السنوات كبر أولادنا وكلما رأيتهم يحتفلون بنجاح أو يمرون بأزمات كان محمود هو النور الذي يدلهم والبوصلة التي ترشدهم.
ورغم أنه استعاد بصره إلا أن بصيرته كانت أنقى من عينيه. لم يكن فقط زوجي بل كان رجلي وسندي وهدية من الله.
كل من حولي كانوا يقولون
كنت محظوظة إنه وافق يتجوزك رغم فقده للبصر.
لكنني أقول من قلبي
أنا اللي كنت محظوظة إنه فقد بصره علشان يشوفني بقلبه.
جدتي
على حق حين قالت
لعل في الضرير حياة يملأها العبير.