اعتاد عمي

لمحة نيوز

بابتسامة محسوبة.
لكن تلك اللحظة كانت نهاية القناع.
ارتجفت يده.
ثم سقطت السكين من بين أصابعه على الأرض بصوتٍ معدني حاد.
وسقط معها كل شيء.
سقطت هيبته.
سقطت كذباته.
وسقط ذلك الوجه الذي خدع المدينة بأكملها.
اقترب أحد رجال الأمن وثبّت يديه خلف ظهره، بينما كان يصرخ كالمجنون
هي تكذب!
كلهم يكذبون!
أنا أنقذتها!
أنا ربيتها!
لكن أحدًا لم يعد يصدقه.
كنت أقف في زاوية الغرفة، أرتجف بالكامل، غير قادرة على استيعاب أن الكابوس الذي عشت داخله لسنوات بدأ أخيرًا ينهار.
نظرتُ إليه.
لأول مرة في حياتي لم أشعر بالخوف منه.
رأيته صغيرًا.
ضعيفًا.
ومرعوبًا.
الرجل الذي كان يتحكم في أنفاسي بنظرة واحدة، أصبح الآن عاجزًا حتى عن حماية نفسه.
اقتادوه إلى الخارج، وما زالت عيناه معلقتين بي، مليئتين بشيء يشبه
الحقد أو ربما الرعب من أنني نجوت.
وعندما أغلق الباب خلفهم، شعرتُ أن الغرفة تنفست.
أما أنا فسقطت على ركبتي.
دخلت أمي مسرعة نحوي،وهي تبكي بصمت. كانت يداها ترتجفان فوق ظهري كأنها تخشى أن أختفي إن تركتني.
همست بصوت مكسور
خلص يا مروة خلص.
لكن الحقيقة
أن شيئًا داخلي لم
يكن قد انتهى بعد.
بعد أشهر طويلة من التحقيقات، بدأت الحقيقة تظهر قطعةً قطعة، كجثة تُسحب من تحت الركام.
كُشف أن حريق دار النور لم يكن حادثًا أبدًا.
كان جريمة متعمدة.
عملية قذرة لإخفاء ملفات اختلاس ضخمة، وتصفية كل من يمكن أن يشهد ضد مازن وشركائه.
الأطفال الذين ماتوا هناك لم يكونوا مجرد ضحايا حريق.
كانوا شهودًا غير مرغوب فيهم.
أما أنا
فكنت الخطأ الوحيد في خطته.
الطفلة التي كان يفترض أن تموت تلك الليلة، لكنها خرجت حيّة من النار، تحمل فوق كتفها ندبة على شكل هلال.
ندبة أصبحت لاحقًا أكبر كوابيسه.
اعترف بعض شركائه بعد القبض عليهم، وظهرت وثائق مخفية وحسابات مصرفية وأسماء نافذين كانوا يحمونه لسنوات.
المدينة كلها صُدمت.
الصحف كتبت عنه بعناوين ضخمة
المحامي المثالي الذي أخفى أبشع جريمة.
دار النور الحريق الذي أخفى مجزرة.
الطفلة الناجية تكشف الحقيقة بعد عشرين عامًا.
لكنني لم أقرأ شيئًا.
كنت متعبة أكثر من أن أتابع العالم.
كل ما كنت أريده أن أنام ليلة واحدة دون كوابيس.
أما أمي
المرأة التي سجّلتني رسميًا كابنتها منذ طفولتي، فقد بدأت تستعيد صوتها تدريجيًا
بعد جلسات علاج طويلة.
في البداية، كانت تهمس بالكلمات همسًا بالكاد يُسمع.
ثم أصبحت قادرة على نطق اسمي.
مروة
لم أكن أعلم أن لاسمي هذا الدفء.
في إحدى الليالي، كنا نجلس قرب النافذة، والمطر يضرب الزجاج بهدوء، حين أمسكت يدي فجأة.
كانت أصابعها باردة.
وعيناها ممتلئتين بشيء يشبه الذنب القديم.
قالت بصوت متقطع
أبوك الحقيقي كان صديق مازن.
تجمدت أنفاسي.
أكملت وهي تبكي
كان رجلًا شريفًا اكتشف كل شيء. اكتشف الاختلاسات واكتشف حريق دار النور قبل وقوعه بأيام. حاول يفضحهم.
شهقتُ بصعوبة.
وأردفت
لكنه اختفى قبل أن يتكلم.
سقطت دموعي بصمت.
لأول مرة، شعرت أنني ألمس ظل أبي الحقيقي.
رجل لم أعرف وجهه لكنه مات وهو يحاول إنقاذ الآخرين.
قالت أمي
مازن وعده أنه سيحميك لو حدث له شيء لكنه خانه.
ثم انهارت باكية.
أما أنا، فشعرت بشيء ثقيل يتحطم داخلي.
سنوات طويلة كنت أظن نفسي بلا جذور، بلا حكاية مجرد فتاة نجت بالمصادفة.
لكن الحقيقة كانت أكبر.
أنا لم أكن مصادفة.
كنت الأثر الأخير
لرجل حاول قول الحقيقة.
بعد فترة، عدت إلى دار النور.
أو ما تبقى منها.
كان المكان مهجورًا، نصفه
ركام ونصفه ذكريات محترقة.
وقفت أمام البوابة الحديدية الصدئة، والريح تعبث بشعري.
هناك مات الأطفال.
وهناك وُلد خوفي.
لكن هناك أيضًا بدأت حياتي الثانية.
دخلت ببطء.
كانت رائحة الرماد القديمة لا تزال عالقة بالجدران، رغم مرور السنوات.
وفي إحدى الزوايا، وجدت لعبة صغيرة محترقة نصفها فقط.
حملتها بيدي المرتجفتين.
ثم بكيت.
بكيت على طفولتي.
على أبي.
على الأطفال الذين لم ينجوا.
وعلى نفسي لأنني قضيت عمري كله أهرب من الحقيقة.
وفي تلك الليلة، وقفت أمام المرآة.
لمست الندبة التي تعلو كتفي، تلك الندبة الهلالية التي كنت أخفيها طوال حياتي.
كم كرهتها.
كم تمنيت اختفاءها.
كانت تذكرني دائمًا بالنار بالصراخ بالخوف.
لكنني هذه المرة نظرت إليها بشكل مختلف.
لم تعد تؤلمني.
لم تعد لعنة.
بل أصبحت دليلًا على أنني نجوت.
وشمًا تركه القدر ليقول
لقد عبرتِ الجحيم وما زلتِ حيّة.
مررت أصابعي فوقها ببطء، ثم ابتسمت لأول مرة منذ سنوات.
ابتسامة حقيقية.
هادئة.
حرّة.
رفعت رأسي نحو انعكاسي في المرآة وقلت بصوت ثابت
أنا مروة
لست ابنة السالم.
ولست ضحية مازن.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم
همست
أنا
الناجية الوحيدة.
وفي الخارج كانت الشمس تشرق لأول مرة منذ زمن طويل.
أما أنا
فكنت أتعلم كيف أعيش من جديد.

تم نسخ الرابط