توفيت زوجة أبنها أثناء الولادة
لم يتحرك النعش لا سنتيمتر واحد.
ثمانية رجال بكامل قوتهم، ووجوههم احمرّت من شدة الدفع، لكن النعش بقي ثابتًا فوق التراب وكأن الأرض ابتلعته من الأسفل.
ساد الصمت داخل المقبرة.
حتى الريح توقفت.
الرجال تراجعوا ببطء، وبعضهم بدأ يقرأ آيات من القرآن بصوت مرتجف، بينما وقف مراد وسط الجميع ووجهه شاحب بطريقة مرعبة، لكنه حاول التماسك وهو يصرخ كفاكم تمثيلًا! ارفعوه وانتهينا!
لكن أمه خديجة لم تتراجع.
كانت راكعة فوق التراب، عباءتها امتلأت بالغبار، ويداها ترتجفان وهي تصرخ افتحوا النعش واللهِ هناك شيء خطأ!
اقترب إمام المسجد محاولًا تهدئتها يا أختي لا يجوز كشف الميت بعد تكفينه.
لكنها أمسكت بثوبه وبكت كالأطفال أعرف ابني أعرفه افتحوه قبل ما تدفنوها ظلم!
ارتبكت الوجوه.
بعض الرجال نظروا نحو مراد.
وبعضهم شعر بالخوف من نظراته.
أما مراد فبدأ يفقد أعصابه تمامًا محدش يفتح حاجة! خلصونا!
لكن فجأة
خرج صوت ضعيف من آخر الصفوف افتحوه.
الجميع التفت.
كانت الممرضة نوال.
وجهها كان شاحبًا، وعيناها مليئتين بالرعب منذ وصلت المقبرة، وكأنها جاءت وهي تحمل سرًا يقتلها من الداخل.
اقتربت بخطوات بطيئة وقالت قبل ما تدخل غرفة الولادة سميرة قالتلي حاجة.
تجمّد مراد.
لأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
سألها بعنف قلتلك إيه؟!
لكن نوال تجاهلته ونظرت للإمام قالتلي إذا متّ لا تخلّوه ياخذ
بدأ الهمس ينتشر من
جديد.
امرأة عجوز وضعت يدها فوق فمها.
وشاب قال بصوت خافت يا ساتر يا رب
أما خديجة فشهقت فجأة، وكأن شيئًا استيقظ داخل ذاكرتها.
تذكّرت ليلة منذ شهرين
حين دخلت بيت ابنها دون استئذان، وسمعت صوت سميرة تبكي داخل المطبخ.
كان مراد يضغط على رقبتها بعنف وهو يهمس لو فكرتِ تفضحيني هخليكِ تختفي.
وعندما رآها ترك زوجته فورًا وادّعى أنهما كانا يتشاجران فقط.
وقتها صدّقت نصف كذبة.
لكن الآن
كل شيء عاد لها دفعة واحدة.
صرخت خديجة افتحوا النعش!
هذه المرة لم يعترض أحد.
اقترب رجلان ببطء.
فكّا الحبال.
ثم رفعا الغطاء الخشبي.
وفي اللحظة التي انكشف فيها الكفن
صرخت النساء من بعيد.
حتى الرجال تراجعوا بخوف.
لأن الكفن الأبيض لم يكن أبيض بالكامل
كانت هناك بقعة داكنة ضخمة قرب صدر سميرة.
ارتجفت يد الإمام وهو يقترب.
ثم فتح جزءًا صغيرًا من القماش
فتجمّد مكانه.
على عنق سميرة
كانت هناك آثار أصابع واضحة.
خمس كدمات زرقاء ملتفة حول رقبتها.
كأن أحدهم خنقها بقوة.
بدأت الفوضى.
أحد الرجال أمسك مراد من ثوبه فورًا إيه ده يا ابن سالم؟!
مراد تراجع للخلف وهو يهتف دي آثار الأجهزة الطبية! أنا مالي!
لكن نوال صرخت كذاب!
التفت الجميع نحوها.
كانت تبكي وهي تقول سميرة ما ماتتش أثناء الولادة مباشرة كانت بخير بعد العملية!
ساد الصمت من جديد.
ثم أكملت بصوت مرتعش أنا سمعتها
خديجة وضعت يدها فوق
قلبها وكأن روحها تُسحب منها.
أما مراد فصرخ بتكدبي!
لكن نوال أخرجت هاتفها بيد مرتجفة وقالت أنا سجلت كل شيء.
شهق الجميع.
فتحت التسجيل
وخرج صوت ضعيف متقطع.
صوت سميرة.
كانت تبكي.
وتقول مراد ابعد عني بالله عليك
ثم صوت مراد بوضوح هتفضحيني؟ بعد اللي عملته عشانك؟!
ثم صرخة مكتومة.
ثم صوت اختناق
ثم صمت.
تجمّد الدم في عروق الواقفين.
حتى الهواء صار ثقيلًا.
مراد حاول خطف الهاتف، لكن الرجال أمسكوا به بعنف.
بدأ يصرخ كالمجنون ماكنتش أقصد! كانت هتدمرني!
لكن أحد أبناء الحي لكمه بقوة قتلت أم بنتك يا حيوان؟!
سقط مراد أرضًا.
وفي تلك اللحظة
ارتفع بكاء طفلة صغيرة من السيارة القريبة.
ابنة سميرة.
الطفلة التي نجت وحدها.
التفتت خديجة نحو الصوت، ثم بدأت تبكي بانهيار وهي تردد سامحيني يا بنتي سامحيني إني ما حميتكش منه.
وصلت الشرطة بعد دقائق.
وتم نقل الجثمان إلى الطب الشرعي.
أما مراد
فحاول الإنكار في البداية.
قال إن زوجته كانت مكتئبة.
ثم قال إنها اختنقت أثناء التشنجات.
ثم انهار أخيرًا بعد ساعات من التحقيق.
الحقيقة كانت أبشع مما توقعه الجميع.
مراد كان غارقًا في الديون.
وكان قد اكتشف أن سميرة تنوي تركه بعد الولادة.
كانت قد أخبرت نوال فعلًا أنها خائفة على ابنتها منه.
وفي ليلة الولادة
تشاجرا داخل غرفة خاصة بعد خروج الأطباء.
سميرة هددته بأنها ستذهب للشرطة وتكشف كل سنوات الضرب والإهانة.
فقد أعصابه
وضغط
على رقبتها حتى سكتت.
ثم ادّعى أنها ماتت بسبب مضاعفات النزيف.
ولأن المستشفى كان مزدحمًا
ولأن الجميع صدّق الزوج المصدوم
مرت الجريمة بسهولة.
إلا شيء واحد لم يمر.
النعش.
ظل الناس في الجلفة يتحدثون سنوات عن ذلك اليوم.
يقولون إن الله أوقف الجنازة حتى تظهر الحقيقة.
ويقول آخرون إن روح سميرة رفضت أن تُدفن بصمت.
أما خديجة
فلم تعد كما كانت أبدًا.
تركت بيت ابنها.
وأخذت حفيدتها لتربيها بنفسها.
وكانت كل ليلة تجلس قرب سرير الطفلة الصغيرة، تمسح على شعرها وتبكي بصمت.
وحين كبرت الطفلة وسألتها يومًا فين بابا؟
سكتت خديجة طويلًا.
ثم قالت والدموع تملأ عينيها أبوكِ مات يوم قتل أمك.
وفي ليلة ممطرة بعد سنوات
دخلت خديجة غرفة سميرة القديمة لأول مرة منذ وفاتها.
فتحت الخزانة ببطء.
وجدت فستان الولادة الذي اشترته سميرة قبل موتها بأيام.
ووجدت ورقة صغيرة مطوية داخل الدرج.
ارتجفت وهي تفتحها.
كان خط سميرة.
وفيها جملة واحدة فقط
إذا حدث لي شيء فاعرفوا أنني كنت أحاول النجاة.
مرت سبع سنوات
لكن بيت آل سالم لم يعرف الراحة يومًا بعد موت سميرة.
الجيران كانوا يقولون إن اللعنة دخلت البيت يوم خرج منه نعشها.
والبعض كان يقسم أنه يسمع بكاء امرأة قرب النافذة القديمة آخر الليل.
أما خديجة
فكانت تعيش فقط
كبرت يارا وسط خوفٍ غامض لم تفهمه.
كانت تعرف أن أمها ماتت يوم ولادتها.
وتعرف أن
أباها في السجن.
لكنها لم