عيد ميلاد امي حكايات زهرة
بدأ الحفل والبيت كان قطعة من الجنة، الزينة في كل مكان، والأنوار المعلقة في البلكونة كانت بتعكس صورة العيلة المثالية قدام الحارة كلها. مدام إسعاد وبناتها هالة وهبة كانوا قاعدين في صدر البيت كأنهم أصحاب مكان، وأبويا، الحاج عبد السميع، كان طاير من الفرحة، بيوزع بتسامات يمين وشمال، فاكر إنه قدر يجمع الضرتين وبناته من الناحيتين تحت سقف واحد في عيد ميلاد أمي ال 50، ومن غير ما حد يحس بحاجة.
أمي، الست هدى، كانت لابسة فستان أسود شيك جداً، وحاطة مكياج هادي خلى ملامحها أصغر بعشر سنين، بس عينيها.. عينيها
كانت فيها لمعة غريبة، لمعة حد قرر ينهي اللعبة النهاردة.
فجأة، أمي وقفت في نص الصالة، وخبطت بالمعلقة على الكاس.. الصمت ساد، والمعازيم كلهم انتبهوا.
بدأت كلامها بهدوء مرعب
منورين يا جماعة.. النهاردة يوم مش عادي، مش بس عشان كملت 50 سنة، لكن عشان النهاردة هحكي لكم قصة الراجل الشهم عبد السميع سوبر
مان الحارة.
أبويا ضحك بزهو وقال يا هدى بلاش إحراج قدام الناس، إحنا عشرة عمر يا حبيبتي.
أمي بصت له بنظرة شقت وشه نصين، وقالت بصوت قوي هز حيطان الشقة
عشرة عمر؟ تقصد 28 سنة غدر يا عبد السميع؟ ولا تقصد ال 25 سنة اللي كنت فاكر فيهم إنك أذكى من الديب وأنت متجوز الست اللي في الوش ومخلف منها بنتين؟
الصالة كلها بقت زي الفريزر، مفيش حد بيتحرك، الأنفاس مكتومة. مدام إسعاد وشتها
أبويا اتلعثم ووشه بقى أحمر هدى.. إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ أكيد كبرتي وخرفتي.. إيه الكلام الفارغ ده؟
أمي ضحكت ضحكة رنت في ودن كل واحد موجود
خرفت؟ أنا الست اللي شافت بعينيها عقد جوازك من 20 سنة في جيب البدلة، وصورتة ورجعته مكانه عشان مش عايزة أخرب على بنتي.. أنا الست اللي كنت بقطع لها الخضار وهي عارفة إنك جايب الطقم الدهب لهالة مش لمرواة صاحبك.. أنا اللي كنت بخيط لك البلوفر الصوف وأنا عارفة إنك مش
هتلبسه عشان ذوقي دقة قديمة مقارنة بذوق مدام إسعاد.
أبويا حاول يقرب منها يا هدى استهدي بالله، مفيش حاجة من دي حصلت، دول جيران..
قاطعته بحدة
متقربش مني.. أنا مش هسألك ليه عملت كدة، ولا هسألك ليه ، لأني ببساطة عارفة إنك واطي، والواطي مبيسألش عمل كدة ليه، ده طبعه.. أنا عمري ما أمنت لك يا عبد السميع من يوم ما شوفت نظرتك لإسعاد وأنا بنفخ في شاي السبوع بتاع أمنية.. عمري ما صدقت ولا كلمة من تمثيليات الشهامة والجدعنة بتاعتك.
أمي طلعت لاب توب وحطته على الترابيزة ووصلته بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة، وبدأت تعرض صور ومستندات
يا جماعة، الحاج عبد السميع كان بيصرف من مرتبي أنا كمدرسة، ومن ورثي من أبويا، عشان يبني مملكته السرية.. الصور دي لعقود الشقق اللي اشتراها باسم بناته هالة وهبة بفلوسي.. والورق ده هو إقرار بنوة بخط
بصت لهالة وهبة وقالت
يا بنات.. أنتوا ذنبكم إيه؟ ذنبكم إنكم طلعتم لراجل مفكرش غير في نفسه، وست قبلت تعيش في الضلمة.. أنا عمري ما كرهتكم، بس عمري ما هسمح لكم تاخدوا مليم واحد من حق أمنية.
هنا، أبويا انفجر
طيب خلاص يا هدى، عرفتي كل حاجة، وأدينا قدام الناس أهو.. أنا حر، الشرع حلل أربعة، وأنا مغلطتش!
أمي سكتت خالص، الهدوء ده كان يخوف أكتر من الزعيق. قربت منه وقالت بهمس مسموع للكل
الشرع قال العدل.. وإنت لا عدلت، ولا صدقت.. والنهاردة الحساب.
طلعت أمي ظرف كبير ورمته في حضنه
دي دعوى خلع يا حاج.. وده محضر بحصر كل الفلوس اللي سحبتها من حسابي المشترك معاك بتوكيل عام، وبالقانون يا عبد السميع، الشقق اللي باسم هالة وهبة محجوز عليها لصالحي، لأنها اتدفعت من مالي الخاص اللي كنت بتنهبه.. وشقة مدام إسعاد؟ اللي إنت كتبتها لها؟ طلعت باسمي أنا، لأني من 5 سنين بالظبط، لما عرفت إنك ناوي تكتبها لها، استغليت التوكيل اللي معاك وغيرت العقود بذكاء يدرس، وإنت كنت بتمضي وأنت فاكر إنك بتمضي على ترقيات الهيئة.
أبويا انهار، قعد على الكرسي وهو مش مصدق إنتِ عملتي كل ده؟ من غير ما تنطقي كلمة واحدة؟
أمي بصت لي وقالت
كان لازم أصبر.. كان لازم أستنى أمنية
أدبحك فيه بدم بارد.
أمي لفت للمعازيم وقالت
العزومة خلصت يا جماعة.. والفرجة كمان خلصت.. الحاج عبد السميع وعيلته التانية هيتفضلوا يخرجوا بشنطة هدومهم اللي فوق، ومن غير ولا مليم زيادة.. الشقة دي باسمي، والعربية اللي تحت باسمي، وحياتك اللي جاية كلها بقت في إيدي.
أبويا حاول يزعق ويقول أنا هحبسك، أنا هعمل وهسوي..
أنا وقفت في وشه وقلت له بكل قوة
يا بابا.. عيب، أنا أمنية عبد السميع، المحامية اللي إنت كنت بتفخر بيها، والنهاردة أنا اللي مجهزة ملف قضايا الاختلاس في الهيئة اللي إنت مدير فيها، والورق ده لو وصل للنيابة، السجن هيكون بيتك الجديد.. اتفضل اخرج بكرامتك، ده لو كان لسه فيه كرامة.
خرج عبد السميع وإسعاد وبناتها من البيت وسط نظرات الاحتقار من كل الجيران والقرايب. البيت اللي كان فاكر إنه ملكه، بقى سجن لندمه.
أمي قعدت ببرود، طلبت مني كوباية شاي بالنعناع، وبصت لصورتها في المراية وقالت
الآن.. نعلن انتهاء المسرحية.
ندمته؟ ندمته لدرجة إنه بقى يمشي يحكي للناس في الشوارع عن ذكاء الست هدى، وبقى عايش في أوضة إيجار هو ومراته التانية، وبناته
أمي علمتني إن الحق مبيضعش، بس
محتاج نفس طويل وعقل يوزن بلد.