ابنها رفع حلة الفول
المحتويات
فيه أمهات ممكن يستغلوا اللحظة دي عشان يقطّموا، عشان يعدّوا الشهور الباردة، والليالي اللي نمتي فيها وحيدة، والمكالمات اللي كانت بتخلص في ثانية.. ويمكن يكون ليهم حق. بس وإنتي بتبصي له، فهمتِ حاجة توجع هو مبعدش عنك لأنه بطل يحبك.. هو بعد لأنه وثق في الست الغلط، الست اللي كانت المفروض تبقى الجسر اللي بينه وبينك.
والثقة لما بتتحط في غير مكانها، بتجوّع الناس أكتر من الإهمال نفسه.
قال وهو بيبكي أنا آسف.. حقك عليا.. أنا آسف يا أمي. حطيتِ إيدك على شعره زي ما كنتِ بتعملي وهو طفل سخن بالليل ومش لاقية تمن الدوا عارفة يا ضنايا.. همستِ، رغم إن المعرفة غير المسامحة، والمسامحة لسه مدخلتش الأوضة دي.. عارفة يا طارق.
سند راسه على رجلك وعيط.. مش عياط برستيج، ده عياط راجل اكتشف إن الفلوس اللي بيبعتها مش هي الحب، وإن الشيكات مبتشبعش لو مكنش معاها نظرة عين. سبتيه يطلع وجعه.. وزي ما قولتِ، العيد ملوش لزوم بالكدب المتزوق.
بعد شوية، لما هدي، قام وبدأ يروح ويجي في المطبخ بقالك قد إيه؟ رديتِ بصراحة سنة كاملة مفيش مليم دخل حسابي. وقبل كدة، حاجات صغيرة.. أدوية كنت بتقول هتبعتها ومبتجيش. بطاطين شتا قالت لي إنها اتأخرت في الشحن. مرة قالت لي إنك عاوز تجيب لي ست تساعدني مرتين في الأسبوع بس أنا رفضت عشان كرامتي.. بصيتِ له في عينه أنا عمري ما رفضت يا طارق.
جز على سنانه قالت كدة؟ هزيتِ راسك كتير.
لف وشك وبص من الشباك.. ضوء الشمس بدأ يطفي ويدخل مكانه المغرب. الدنيا برا ماشية بهدوء غريب، وراديو بعيد مشغل أغنية للعيد، في حين إن حياتك بتتقسم نصين.
طارق سأل سؤال فاجئك ليه مقلتيليش؟ مكنش سؤال اتهام، كان سؤال واحد غرقان بيدور على اللحظة اللي غرق فيها عشان يرجعها. قلتِ له عشان أمهات جيلي اتربوا إنهم يصغروا كل سنة زيادة.. عشان مكنتش عاوزة أطلب وأحس إني بشحت. عشان كان صوتك في التليفون دايما تعبان. عشان مراتك كانت دايما بتتكلم كأن كل حاجة تحت السيطرة.
وعشان مكنتش عاوزة أبقى حمل تقيل بتناقشوه
غمض عينه بوجع يا أمي.. قطعتِ كلامه دي مش غلطتها لوحدها.. دي غلطتك إنت كمان. الفلوس مش حجة تخليك ماتشوفش بعينك وتطمن بنفسك.
الكلمة كانت في مكانها.. وهزت كرامته. هز راسه ببطء كأنه بيبلع دوا مر بس بيشفي عندك حق.. أنا كنت فاكر إن بَعْت الفلوس كفاية.
ابتسمتِ بمرارة الرجالة دايما فاكرين إن المصاريف هي الرعاية. ساعات بتبقى صح.. وساعات بتبقى مجرد حاجة بتخليهم يحسوا إنهم كويسين وهمّ بعيد.
بعد عشر دقايق، الباب خبط. طارق اتشد وافتكر إنها شيرين رجعت، بس طلع الشيخ عبد الحميد، إمام الجامع اللي جنبك، داخل وشايل كرتونة فيها كحك وعيش ووشه منور من السعي في الخير. وقف مكانه لما شاف الجو مكهرب، وشاف دفتر التوفير وشكل طارق.
الشيخ عبد الحميد قال بحذر جيت أجيب العيدية للحاجة نادية. قمتِ وقابلتيه اتفضل يا شيخنا.. ادخل.
طارق مسح وشك وكان مكسوف، بس الوضع مابقاش فيه تمثيل. الشيخ حط الكرتونة وقلع جزمته وقعد بالصبر اللي اتعلمه من قعدة المصاطب وسماع هموم الناس. سلم على طارق بأدب، وبص لكِ
تحبي أمشي يا حاجة؟ فكرتِ في الستر وفي الفضيحة.. وفي كل الأسباب اللي بتخلي البيوت تعفن من جوه عشان الستات اللي زيك بيخبوا الوجع. بصيتِ لطارق وقلتِ
لأ.. خليك يا فضيلة الشيخ.
وفعلاً، قعد. وفي الساعة اللي بعدها، الحكاية اتكشفت بالكامل قدام طارق بشاهد تالت. الشيخ حكى عن شنطة رمضان اللي كانت بتجيلك. عن حملة دفا اللي جابت لك بطانيتين ودفاية مستعملة وباظت. عن صندوق الدوا بتاع الجمعية. عن المرة اللي الشيخ بنفسه خدك فيها المستوصف عشان ركبك كانت تعباكي ومكنتيش عاوزة تشغلي ابنك.
طارق كان بيسمع وهو ساكت خالص.. صمت القبور. وفجأة، عمل حاجة مكانتش متوقعة من الراجل الشيك اللي لابس جزمة بآلاف. طلع تليفونه، واتصل بمدير البنك بتاعه يوم العيد، وقال بصوت هادي ومرعب عاوز كشف حساب بكل التحويلات اللي تمت من حسابي الشخصي عن طريق مراتي في ال 12 شهر اللي
فاتوا.. وعاوزهم دلوقتي حالا. مصممش.. مهددش..
وعلى العشاء.. أول دليل وصل.
كشوف الحسابات.. صور من التحويلات.. تأكيدات بنكية طالعة من حسابه الشخصي لحساب مشترك شيرين هي اللي بتتحكم فيه. ومكتوب تحت كل تحويل ملاحظة تقطع القلب مصاريف ماما، كسوة الشتا، علاج الحاجة نادية. سنة كاملة من النية الطيبة والمحبة اتحولت لمصاريف مدرسة لغات، وحجز فنادق، وديكورات للبيت، وفواتير بيوتي سنتر.. وبند واحد كان هو القشة اللي قطمت ضهر طارق شنطة ماركة سعرها أغلى من مصاريف معيشتك في أربع شهور.
لما طارق شاف البند ده، وشه بقى أبيض زي الورق. قلتِ له بهدوء وصوت واطي اشتريت لي شنطة يا طارق؟.. مكنش فارق معاكي الشنطة، بس السخرية كانت واجعة أوي. قلت لي في التليفون مرة إن شيرين بتقول إنك نقيت لي حاجة ذوقها عالي في عيد ميلادي.. ضغطتِ على شفايفك وكملتِ بس مفيش حاجة وصلت يا ابني.
حط إيده على عينيه وخبا وشه من الخجل. الشيخ عبد الحميد تمتم بدعاء كان طالع بنبرة حزن أكتر منها صلاة.. الليل ليل علينا بسرعة.
طارق خرج البلكونة يتكلم في التليفون مع شيرين تلات مرات. في كل مرة كان بيدخل وشكله مكسور أكتر بس عزيمته أقوى. أول مكالمة كانت هي بتنكر، التانية كانت بتقلب الطاولة وبترد بغل، وفي التالتة قلبتها عياط وصعبانيات، واتكلمت عن العيال، وإزاي هو بيهد كيان الأسرة عشان خاطر غلطة حسابات. جزء منك كان قرفان من تمثيلها المحفوظ، وجزء كان موجوع عشان طارق.. لأن التلاعب بيجيب نتيجة دايما مع الناس اللي قلوبها بيضا وبيدوروا على الستر أكتر من الحقيقة.
بس طارق اتغير.. المطبخ اللي اتعلم فيه يعني إيه جوع زمان، طلع أقوى بكتير من الرخام والمظاهر الكدابة اللي عاش فيها سنين.
فجأة، إبراهيم ابن طارق ظهر على باب المطبخ بلبسه الشيك وشعره المنكوش، وكان وشه فيه قلق الأطفال لما بيحسوا إن الكبار بيكسروا حاجة مش هتتصلح. سأل بوطي بابا؟ ماما بتزعق في الشارع في التليفون.
طارق انتبه له فوراً إنتوا لسه في العربية؟ الولد
حسيتِ ببرودة في جسمك كله. طبعاً.. سابتهم في العربية. في الوقت اللي الحقيقة كانت بتتشرح هنا في المطبخ، أحفادك كانوا قاعدين في عربية آخر موديل في ليلة العيد بيسمعوا أمهم وهي بتنفث غلها في التليفون. العيال دايماً هما أول ناس بيدفعوا تمن وسخة الكبار.
قلتِ لطارق دخل ولادك يا ابني.. خليهم يدخلوا البيت. طارق شاور لهم، وفي ثواني كان إبراهيم وياسين في المطبخ، خدودهم حمرا من السقعة وصوابعهم متلجة. بصوا لطبق الفول كأنه حاجة غريبة وحلوة في نفس الوقت. ياسين الصغير سأل ببراءة تيتا.. هو فيه عيش محمص؟ ضحكتِ رغم الوجع.. طفل بيطلب طلب عادي وسط الكابوس ده. فيه يا قلب تيتا.. فيه.
وعشاء العيد بقى زي ما كان قبل كدبة شيرين فول، ورز، وقشرة كحك، وعيش متسخن على نار البوتاجاز مباشرة. بس المرة دي، الحقيقة كانت قاعدة معانا على الطبلية. طارق كان بياكل وسكت، والعيال بيسألوا عن شجرة العيد القديمة، والشيخ عبد الحميد حكى حكاية تضحك.. مكنتش أكلة سعيدة، بس كانت أكلة حقيقية. وبعد سنة من المحو والتهميش، الحقيقة كان ليها قدسية.
بعد ما العيال ناموا في الصالة تحت بطاطين قديمة، طارق وقف معاكِ يغسل المواعين. قلتِ له سيبهم، مسمعش كلامك. شمر كمام السويتر الغالي ووقف قدام الحوض ينشف الأطباق بالفوطة اللي أبوكِ كان بيستخدمها. كان شكله غريب في المطبخ ده، بس كان في مكانه الصح لأول مرة.
قال فجأة أنا هطلق يا أمي. فضلتِ تغسلي الحلة بهدوء ده قرارك إنت يا طارق. هز راسه أنا عارف.. وهعمل جرد لكل حساباتي. اللي عملت كدة مع أمي، أكيد عملت أكتر من كدة في حاجات تانية. سكت شوية وكمل وهاخد العيال بكرة.
نزلتِ الحلة من إيدك وبصيتِ له.. دي وجعتك برضه، لأن مهما كان اللي شيرين عملته، فيه بيت بيتفتح ويتقسم. والعيال مبيفهموش إن النهايات الضرورية ساعات بتبقى وجع. قلتِ له متستخدمش العيال سلاح يا ابني. بص لكِ باستغراب
أنا؟ أبداً.
عارفة.. بس
المظلوم ساعات بيبقى مبدع في الانتقام
متابعة القراءة