رفضوا ترقيتي في المصنع لأنهم قالوا إن وجهي لم يعد مناسبًا لاستقبال العملاء
المحتويات
يعمل بدونك.
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة أمامي
وإلى العمال الواقفين بوجوه متوترة
ثم إلى بطاقة العمل القديمة الموضوعة أمامي فوق الطاولة.
اثنان وعشرون عامًا
انتهت بورقة استقالة.
وفجأة
رن هاتف سامر بصوت مرتفع.
فتح المكالمة بسرعة.
ثم تجمد وجهه تمامًا.
كان المتحدث من الإدارة العليا.
سمعناه يقول بعصبية
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
رفع سامر عينيه نحوي ببطء
بينما ساد الصمت داخل المصنع كله.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة
أدرك الجميع الحقيقة التي حاولوا تجاهلها دائمًا
أن المرأة التي سخروا من تجاعيد وجهها قبل ساعة واحدة
كانت وحدها تحمل المصنع كله فوق كتفيها.
ظلّ صوت الإدارة العليا يتردّد داخل المصنع كصفعةٍ ثقيلة
نريد الأستاذة أمينة فورًا.
لم يتحرك أحد.
حتى سامر
بدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
أغلق الهاتف ببطء، ثم نظر نحوي بعينين مضطربتين لأول مرة منذ عرفته.
وقال بصوت حاول أن يجعله هادئًا
الإدارة تريد التحدث معك.
لم أتحرك.
أخذت بطاقتي القديمة من فوق الطاولة، تأملت صورتي الباهتة عليها لثوانٍ، ثم وضعتها داخل حقيبتي.
قلت ببرود
لكنني لم أعد موظفة هنا.
ازدادت الفوضى حولنا.
أصوات الإنذارات.
العمال المتجمهرون.
أجهزة المسح المتوقفة.
ووفد الخليج الذي بدأ يتحرك داخل قسم الاستقبال دون أن يفهم أحد كيف يشرح له ما يحدث.
اقترب سامر خطوة أخرى وقال بتوتر واضح
أمينة أرجوكِ.
ضحكتُ بسخرية متعبة.
قبل ساعة فقط
كان وجهي لا يصلح لاستقبال العملاء.
والآن
أصبحوا يبحثون عني كأن المصنع يختنق بدوني.
رنّ هاتفي مرة أخرى.
هذه
المرة
أجبت.
جاءني صوت امرأة
الأستاذة أمينة؟ أنا هالة منصور من الإدارة الإقليمية.
صمتُّ.
فأكملت
نحتاج عودتك فورًا إلى النظام.
قلت ببرود
أنا استقلت.
نعلم ذلك.
إذن لماذا تتصلون بي؟
ساد صمت قصير
ثم قالت بصراحة
لأن المصنع متوقف بالكامل.
نظرت حولي.
إلى الوجوه المرتبكة.
إلى العمال الذين ينتظرون.
إلى ابني الواقف قرب المستودع وعيناه لا تفارقانني.
ثم قلت
هذا ليس خطئي.
نعرف.
ولأول مرة
شعرت أنهم يقولون الحقيقة فعلًا.
قالت هالة بهدوء
راجعت سجلات النظام منذ دقائق كل البنية الرئيسية مرتبطة بصلاحياتك القديمة.
ابتسمت بمرارة.
أخيرًا فهموا.
لكن بعد ماذا؟
قالت
نريد منك العودة مؤقتًا كمستشارة تقنية.
سألتها فورًا
بعقد رسمي؟
ترددت للحظة
ثم قالت
نعم.
رفعت عيني نحو سامر.
كان يراقبني بقلق شديد.
فقلت بوضوح
لدي شروط.
تفضلي.
أولًا لا أعود كموظفة.
موافقون.
ثانيًا كل شيء يكون مكتوبًا.
موافقون.
ثالثًا ابني لا يُمسّ، ولا يُعاقب أي موظف حاول الدفاع عني اليوم.
نظرتُ نحو فني الأنظمة الشاب الذي وقف متوترًا قرب الأجهزة.
ثم أكملت
ولا ذلك الشاب أيضًا.
قالت هالة مباشرة
تم.
تنفست ببطء.
ثم قلت الجملة الأخيرة وأنا أنظر إلى ريم
وأريد ملفاتي كاملة دون ورقة ناقصة.
خفضت ريم رأسها فورًا.
أما سامر
فكان واقفًا كمن يُسحب منه الهواء ببطء.
قالت هالة
هل تعودين الآن؟
نظرت إلى الشاشات الحمراء الممتدة داخل المصنع
ثم قلت
سأعود
لكن بصفتي الشخص الوحيد هنا الذي يعرف كيف يُنقذ هذه الكارثة.
وأغلقت الخط.
ساد صمت ثقيل.
ثم فجأة
ابتعد رجال
الأمن من الطريق.
وتحرك العمال
كأنهم لا يرون موظفة عادية
بل آخر فرصة لإنقاذ المكان كله.
حين جلست أمام الحاسوب القديم مجددًا
شعرت وكأنني أعود إلى حرب قديمة أعرفها جيدًا.
الشاشة السوداء.
الحروف الخضراء.
الأوامر النصية التي سخروا منها سنوات.
اقترب فني الأنظمة الشاب وهمس
كلهم ينتظرونك.
أجبته بهدوء
إذن لا يُزعجني أحد.
حتى سامر
لم يجرؤ على الاعتراض.
بدأت أراجع سجلات النظام بسرعة.
الأوامر.
سجل الدخول.
صلاحيات التشغيل.
تقارير الجودة.
ثم فجأة
توقفت يدي.
ضيّقت عيني نحو الشاشة.
وأعدت فتح الملف مرة أخرى.
لا
هذا مستحيل.
لكن الأرقام كانت أمامي بوضوح.
رفعت رأسي ببطء.
ونظرت مباشرة إلى ريم.
كانت ترتجف.
سألتها بصوت هادئ أخطر من الصراخ
أنتِ من وافق على تجاوز الجودة هذا؟
ارتبكت فورًا.
أنا أنا لم أقصد
اقترب سامر بسرعة وقال بعصبية
ليس الآن يا أمينة.
لكنني تجاهلته تمامًا.
وأعدت النظر إلى الشاشة.
ثم شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
أجهزة التعقيم الخاصة بالشحنة الطبية
كانت قد سجلت درجات حرارة أقل من الحد المطلوب أثناء التغليف.
أي أن التعقيم لم يكن مضمونًا بالكامل.
ولو خرجت الشحنة بهذا الشكل
فقد تصل أجهزة طبية ملوثة إلى المستشفيات.
رفعت رأسي فورًا وقلت بصوت حاد
أوقفوا الشحنة حالًا.
تجمّد المكان.
صرخ سامر
هل جننتِ؟!
التفتُّ إليه بحدة
هل تريد إرسال أجهزة غير مضمونة التعقيم فقط حتى تُرضي الوفد؟!
قال بانفعال
الفرق بسيط!
ضربت الطاولة بقوة لأول مرة.
في الأجهزة الطبية
لا يوجد شيء اسمه فرق بسيط.
ساد الصمت.
حتى العمال توقفوا عن الحركة.
ثم
من الذي وقّع اعتماد هذه الدفعة؟
نظر الرجل بتردد نحو ريم.
وهنا انهارت ريم أخيرًا.
وضعت يدها على فمها وقالت بصوت مرتجف
سامر قال إن الأمر طبيعي وقال إننا لو أوقفنا الشحنة سنخسر العقد.
تحول كل شيء فجأة.
كل العيون اتجهت نحو سامر.
أما هو
فبدأ يتراجع خطوة للخلف.
قال بعصبية
هي لا تفهم شيئًا!
لكن أحد العمال صرخ من الخلف
بل أنت الذي لا تفهم!
ثم قال آخر
الأستاذة أمينة كانت تبقى بعد دوامها لتُصلح أخطاءكم!
وقالت عاملة من قسم التغليف
هي الوحيدة التي كانت تعلّمنا بدل أن تُهيننا.
وفجأة
بدأ الجميع يتكلم.
عامل وراء عامل.
موظف وراء موظف.
كل واحد يتذكر موقفًا قديمًا معها.
كيف حمتهم.
كيف ساعدتهم.
كيف كانت تبقى وحدها بعد انتهاء الوردية حتى لا يُخصم من رواتبهم بسبب الأعطال.
أما سامر
فبدأ يفقد السيطرة تمامًا.
صرخ
اصمتوا جميعًا!
لكن لا أحد صمت هذه المرة.
حتى رجال الأمن
كانوا ينظرون إليه ببرود.
اقتربت هالة منصور من جهة الاستقبال بعدما دخلت المصنع أخيرًا مع اثنين من الإدارة.
كانت تتابع الشاشات بوجه متوتر.
ثم سألتني مباشرة
هل الوضع خطير؟
أشرت إلى التقارير أمامي.
قلت
لو خرجت هذه الشحنة قد نؤذي مرضى.
شحب وجهها فورًا.
أخذت الملف من يدي بسرعة وبدأت تقرأ.
ثم رفعت رأسها نحو سامر ببطء.
هل كنت تعلم بهذا؟
فتح فمه
لكنه لم يجد جوابًا.
قالت بحدة
أوقفوا الشحنة فورًا.
تحرك قسم الجودة مباشرة.
وأُغلقت بوابات التحميل.
أما وفد الخليج
فبدأ يطالب بتفسير عاجل لما يحدث.
وفي وسط الفوضى كلها
عدتُ
إلى الشاشة.
أصلحت صلاحيات المخزون.
ثم أجهزة القراءة.
ثم خطوط التغليف.
أصوات الماكينات بدأت تعود تدريجيًا.
خط بعد خط وجهاز بعد جهاز.
حتى عاد صوت المصنع للحياة من جديد.
لكن هذه المرة لم يعد أحد ينظر إليّ كموظفة عجوز.
بل
كشخص أنقذ المصنع من كارثة حقيقية.
اقترب مني
متابعة القراءة