مراتي لـ الهواري

لمحة نيوز

مراتي لبنها كان ناشف وكنت بظلمها وأقولها: "أنتي مابتأكليش".. لحد ما روّحت البيت بدري واكتشفت أمه بتأكلها إيه من ورايا!
— "أنتي إيه من الستات؟ في أم في الدنيا مابتعرفش تأكل ابنها وتشبعه؟! كلي كويس واتغذي عشان ينزل له لبن!"
الكلمات دي خرجت من بقي في الفجرية، وابني الرضيع واقف يصرخ بصريخ يهز حيطان الشقة من الجوع..
النهاردة.. أنا هموت من الكسفة والخزي وأنا بفتكر الكلام ده.
النهاردة.. أنا مستعد أدفع عمري كله والفلوس اللي حيلتي عشان أرجع للحظة دي بالذات، وأبوس رجليها وأطلب منها السماح قبل ما الفأس تقع في الرأس ويحصل اللي حصل.
بس ليلتها أنا كنت هلكان.. تعبان من الشغل، والديون، وصريخ العيل اللي مابيبطلش، ومبنامش غير 3 ساعات في اليوم.. وبصحى بهالات سودا تحت عيني عشان ألحق السواقة والمشوار للشركة كأن جسمي مش لحم ودم.
مراتي "آية" كانت لسه والدة بقالها 15 يوم بالظبط.. 15 يوم!
وكانت زي الشبح..
قبل الولادة كانت البنت بخدود منورة، عينيها بتلمع، وضحكتها تملى البيت لو شافت حاجة تكسفها. بس من يوم ما خرجنا من المستشفى وجينا البيت، والبنت بدأت تطفي وتدبل.. خدودها سقطت، وماشيتها بقت بطيئة وضهرها محني، وإيديها دايمًا متلجة.. ساعات كنت أدخل ألاقيها قاعدة على طرف السرير باصة لابننا وهو بيعيط ونظرة الذنب والكسرة في عينيها توجع القلب.
كانت بتقولي بصوت مكسور:
— "يا رامي.

 

. اللبن ناشف في صدري.. والله بحاول وبضغط على نفسي بس مفيش

نقطة بتنزل!"

وأنا مكنتش فاهم.. أو مكنتش عايز أفهم!

ابني "يوسف" كان يمسك في صدرها ويمص بجوع.. وبعدين يسيبه ووشه يقلب أحمر من الغيظ ويصرخ كأننا رميناه في الشارع. آية كانت بتعيط هي كمان بس من غير صوت.. تغطي صدرها، وتعدل الواد، وتجيبه الناحية دي والناحية دي، وتعض على شفايفها لحد ما تجيب دم.. ومفيش فايدة!

وبدل ما أخدها وأطمنها.. بقيت ألومها وأقسى عليها:

— "ما أنتي لو بتاكلي كويس وبتهتمي بنفسك كان جالك لبن! كل الستات بتولد وبترضع عادي لو ركزوا في صحتهم!"

يا لجهلي وقسوتي! يا لغبائي!

أمي "الحاجة شريفة" كانت قاعدة معانا، جت قبل الولادة بأسبوع. أمي طول عمرها ست شديدة، مسيطرة، وصوتها عالي.. من النوع اللي دايمًا تقول: "أنا ربّيت 3 رجالة وعمري ما اشتكيت ولا قلت آه"، كأن الكلمة دي بتديها الحق إنها تدوس على تعب وشقى أي حد تاني حواليها.

لما آية ولدت، أمي صممت تقعد معانا وتقوم بالبيت:

— "البت دي لسه صغيرة ومابتفهمش حاجة في تربية العيال والنفاس.. سيبها لي يا رامي وأنا هظبطها لك، وركز أنت في شغلك وأكل عيشك يا حبيبي."

وأنا صدقتها..

كل أول شهر كنت بحوّل لأمي مصروف البيت وزيادة.. 15 ألف جنيه كاش في إيدها بالملي، وبقولها:

— "يا أمي.. هاتي لآية كل اللي نفسها فيه.. فراخ بلدي، لحمة، شوربة، فاكهة، لبن.. أهم حاجة

 

تاكل كويس عشان صحتها ترد والواد يشبع."

كانت تحط إيدها على كتفي وتدعي لي:

— "متقلقش

يا قلب أمك.. ده أنا مشيلاها على كفوف الراحة ومأكلاها الشهد ومخليها زي الملكة! دي أي بنت حلال تتمنى حماة زيي تخدمها في نفاسها!"

كنت ببتسم وأبوس إيدها وأمشي..

لأنها "أمي".. ومستحيل عقلي يوزّني إن أمي ممكن تكذب عليا أو تأذي مراتي! ودي كانت أول خطوة في سكة ندالتي.

الوضع في البيت مكنش بيتحسن.. يوسف بيصرخ طول الليل، وآية تحاول ترضع وتفشل وتعيط.. ولما كنا بنجيب علبة لبن صناعي على قد فلوسنا، أمي كانت بتقلب وشها وتزعق:

— "بلا لبن صناعي بلا قرف وبودرة غالية عالفاضي! لو شدت حيلها وحاولت اللبن هيطلع.. إحنا زمان مكناش بنعرف الحاجات دي والعيال كانت بتطلع زي الفل وصحتها حديد!"

آية كانت بتنزل راسها في الأرض وتسكت..

ومع الوقت، لقيت نفسي بكرر كلام أمي من غير ما أحس:

— "اسمعي كلام أمي يا آية.. الست دي خبيرة وبتفهم عنك!"

بصت لي وعينيها مليانة دموع:

— "والله العظيم بحاول يا رامي.. بحاول بكل قوتي."

رديت عليها بقرف:

— "يبقى حاولي أكتر من كدة!"

الجملة دي كسرت ضهرها..

بس الواد رجع يصرخ تاني، حطيت المخدة على وشي وأنا غرقان في غلي وقرفي من العيشة والضوضاء ومراتي.. من كل حاجة، ما عدا البني آدم الوحيد اللي كان يستاهل الغضب ده كله!

في يوم الفجرية، بعد ساعة كاملة من الصريخ المتواصل، صبري نفد

 

واتعميت:

— "بس بقى يا آية! أنتي مابتتكسفيش على دمك؟! شوفي الواد بقى جلد على عظم.. شكل الواد عيان

وبيموت! أنتي إيه من الأمهات لو مش عارفة حتى تأكلي لقمة زي الناس عشان ترضعيه؟!"

كانت قاعدة على السرير وضامة الواد، والدموع نازلة تغرق رقبتها..

همست وهي بتتخنق:

— "أنا آسفة.. أنا باكل والله.. والله العظيم باكل."

زعقت فيها:

— "أمال مفيش زفت بيتحسن ليه؟!"

منطقتش.. نزلت راسها بس.

أخدت المخدة بتاعتي وخرجت نمت على الكنبة بره.

تاني يوم نزلت الشغل من غير ما أبص في وشها.. أمي كانت في المطبخ بتعمل شاي وقالت لي بخبث:

— "سيبك منها يا رامي.. البت دي تلميذة وبتتمسكن وبتعمل دور الضحية عشان تلوي دراعك."

قلت لها وأنا ماشي:

— "أنا كل اللي هاممني إن الواد ياكل."

قالت:

— "هياكل ويبقى زي الفل.. اقفل الباب وراك وأنا هتصرف معاها."

كلمة "هتصرف" دي طمنتني.. والنهاردة الكلمة دي بتخليني عايز أرجع بطني من كتر القرف!

المفاجأة السوداء

يوم الخميس.. النور قطع في المنطقة الصناعية كلها بسبب محول اتحرق في الشغل، ومديرنا قالنا كلنا روحوا بيوتكم.. كانت الساعة لسه 11 الصبح.

فكرت أتصل بأمي أو آية أقولهم إني جاي.. وبعدين قلت لأ.

خليها مفاجأة..

عدّيت على صيدلية كبيرة وجبت أكبر علبة لبن صناعي مستورد غالية جدًا كنت بقول عليها زمان ملهاش لازمة، وجبت علبة فيتامينات لآية وشوية فاكهة محترمة.

ودخلت

 

الشقة...

الباب كان موارب.

البيت هادي بشكل يخوف...

وفجأة شوفتها..


مراتي..
كانت

قاعدة على الأرض في ركن مستخبي ورا السفرة، وبتاكل بسرعة.. بسرعة مرعبة كأن حد هيخطف منها اللقمة.
ولما نطقت اسمها..
اتنفضت كأنها اتقفشت بتسرق.
— "رامي؟! أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟!"
حاولت تخبي الطبق ورا ضهرها.
قربت منها وقلبي بيدق بعنف:
— "أنتي بتاكلي إيه؟"

تم نسخ الرابط