سر الخوف والإنكار

لمحة نيوز

أي تواصل معانا، ووفاء كانت بتحاول تتعامل مع الموضوع بطريقتها، لكنها أخطأت لما حاولت تخفي الحقيقة عني، وخلّت الأمور توصل للشكل المرعب ده، خصوصًا مع ضغط الشغل والخوف على بنتنا، أما أم أحمد فكانت بتسمع صراخ لميس في لحظات الانهيار من البكاء أو التوتر اللي كانت بتعيشه في عز مواجهة
الرسائل دي.
وقتها بس فهمت إن الخطر الحقيقي مش دايمًا بيكون شخص واقف قدامك، أحيانًا بيكون فكرة، أو رسالة، أو خوف بيتزرع في دماغ طفل صغير لحد ما يسيطر عليه، وإن أكبر غلطة عملتها إني سبت البيت يمشي من غير ما أبقى سامع بجد، ومن اللحظة دي قررت أكون موجود مش كأب بيصرف، لكن كأب بيسمع ويفهم ويدخل في التفاصيل قبل ما تتحول لكارثة، لأن البيوت ما بتقعش فجأة لكنها بتنهار بصمت لما الكل يفتكر إن كله تمام.
بعد الليلة دي، مكنتش قادر أرجع أبص للبيت بنفس النظرة القديمة.
كل حاجة كانت باينة طبيعية من بره، لكن أنا بقيت شايف الشقوق اللي مش بتتبان لحد،
الشقوق اللي بتبدأ بكلمة كله تمام وتنتهي بكارثة محدش واخد باله منها.
وفاء كانت ساكتة بشكل غريب، ولميس بقت أقرب للصمت منها للكلام، وأنا بقيت ما بين الاتنين كأني واقف في نص بيت مش عارف هو بيقع ولا لسه ثابت.
في الأيام
اللي بعدها، حاولت أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت، لكن جوايا كنت بتفكك ببطء. كنت كل شوية أبص على لميس وأحاول أفهم، لكن هي كانت بتقفل على نفسها أكتر، مش خوف واضح، لكن انسحاب هادي كأنها بتختفي من الدنيا بالتدريج.
وفاء بدأت تبان مشغولة أكتر، بتقفل موبايلها بسرعة لما أدخل، وبتتكلم بطريقة محسوبة زيادة عن اللزوم، كأن كل كلمة محتاجة مراجعة قبل ما تتقال. وده خلاني أحس إن في حاجة لسه مش مكتملة، جزء من القصة لسه متقالش.
في يوم، لقيت لميس قاعدة لوحدها في الصالة، مش ماسكة الموبايل زي عادتها، كانت بتبص قدامها بس، عيونها فيها إرهاق مش سنها. قعدت جنبها بهدوء، من غير أسئلة مباشرة، وقلت لها إني مش عايز أعرف كل حاجة
مرة واحدة، بس عايز أفهم الحقيقة حتى لو تدريجي.
سكتت شوية طويلة، وبعدين قالت بصوت واطي
إن الموضوع مكنش مجرد رسائل غريبة لكن كان ضغط نفسي اتبنى
مع الوقت، إحساس إنها لازم تكون مثالية قدام ناس معينة، وإن أي غلطة صغيرة ممكن تتقلب لمشكلة كبيرة، وإن الخوف ده خلاها تبعد وتكتم وتخبي بدل ما تحكي.
وقالت كمان إن وفاء مكنتش بتحاول تأذيها، لكن كانت شايلة هم كبير، وبتحاول تحميها بطريقة غلط، بطريقة خلتها تبان كأنها بتحاصرها بدل ما تطمنها.
وقتها فهمت إن المشكلة مكنتش في شخص واحد، لكن في طريقة إدارة الخوف جوه البيت كله.
في نفس الليلة، قعدت مع وفاء لأول مرة نقاش حقيقي من غير صريخ أو دفاع. كانت منهكة، واعترفت إنها كانت بتبالغ في الحماية، وإنها خافت على لميس لدرجة إنها بدأت تتحكم في كل تفصيلة من غير ما تحس.
وقالت جملة ما نسيتهاش
أنا كنت فاكرة إني بحميها لكن طلعت بخنقها.
الكلمة دي غيرت حاجات كتير جوايا.
بدأنا من تاني، بس
المرة دي بشكل مختلف، مفيش تحقيقات تحت السرير ولا اختباء، لكن جلسات
كلام طويلة، محاولة نفهم لميس من غير ما نحاكمها، ونفهم نفسنا قبل ما نحاكم غيرنا.
لميس بدأت ترجع تدريجيًا، مش بسرعة، لكن بخطوات صغيرة، ضحكة خفيفة هنا، كلمة أطول هناك، ونظرة فيها حياة بعد ما كانت باهتة.
وبدأت أفهم إن أخطر حاجة في أي بيت مش المشاكل نفسها، لكن إن كل واحد يفضل مقتنع إنه فاهم كل حاجة لوحده.
وفي يوم، لميس قالتلي وهي قاعدة جنبي
أنا كنت فاكرة إنكم مش شايفيني طلعتوا شايفيني، بس كل واحد بطريقته.
الجملة دي خلتني أسكت طويل.
لأني لأول مرة فهمت إن الأبوة مش توفير أكل ومصاريف، ولا حتى مراقبة، لكنها حضور
حقيقي، حضور بيسمع قبل ما يحكم، وبيفهم قبل ما يقرر.
ومع الوقت، البيت اللي كان مليان صمت وخوف، بدأ يرجع فيه صوت الحياة تاني، مش زي الأول، لكن أهدى وأصدق.
ويمكن القصة ما كانتش عن سر مرعب أو شخص مختبئ، قد ما كانت عن ناس عايشة في
نفس المكان
بس كل واحد فيهم كان لوحده جواه.

تم نسخ الرابط