يا ماما ينفع ماخدش الحباية

لمحة نيوز

"يا ماما.. ينفع مآخدش الحباية اللي تيتا بتدهالي عشان أسمع الكلام؟"
السكينة أفلتت من إيدي ورنت على الرخامة وأنا واقفة في المطبخ بعمل الغدا، وبنتي فريدة اللي عندها أربع سنين بتشد مريلة المطبخ بصوابعها الصغيرة الساقعة، عينيها الواسعة كانت باهتة ووشها أصفر ومتبهدل، ومتبتة في العروسة القماش بتاعتها كأنها الحاجه الوحيدة اللي حامياها في الدنيا، نزلت لمستواها وبطني بتتلوى من الخوف وسألتها حبوب إيه يا قلب ماما؟ فريدة بصت بسرعة ناحية الصالة حيث حماتي، الحاجة إلهام، قاعدة قدام التلفزيون وموطية الصوت على الآخر، وهمست بنتي وقالت اللي تيتا بتدهالي لما بتكوني مشغولة، بتقولي خديها عشان متبقيش شقية، أنا جسمي اتجمد في مكاني، الحاجة إلهام متبتة عندنا في شقة الهرم بقالها تلات أسابيع، وكانت حِجتها إن ركبتها تعباها ومحتاجة اللي يخدمها، وجوزي مصطفى قالي معلش يا ندى دي أمي ومتحسسيهاش إنها تقيلة علينا، فكنت بستحمل، بستحمل كلامها وتلقيحها على أكلي ولبسي وطريقتي في تربية بنتي، وهي دايماً تقولي البنات عاوزة الشدة من صغرها عشان تطلع متربية، ومن يوم ما دخلت البيت وفريدة اتطفت، بطلت تتنطط في الطرقة ولا تغني وهي بتاخد الدش، بقت تنام بالأنفار وسرحانة في السقف كأن روحها مش هنا، وكل ما أسألها مالها يا حاجة، ترد بدالها

وتقول البت بتكبر، البت ربنا هداها، دي كانت متدلعا بزيادة معاكي، فجأة فريدة شدتني من إيدي وجمب الغسالة طلعت علبة دواء برتقانية مستخبية ورا كيس المسحوق، الاسم اللي مكتوب عليها كان اسم حماتي، ومكنتش فيتامينات، دي كانت مهدئات قوية جداً بتاعة كبار، ركبي سابت ومبقتش قادرة أقف، سألتها بخوف وهي أخدت كام واحدة؟ فريدة رفعت صوابعها الصغيرة وقالت ساعات لما كنت بعيط كانت بتجبرني أخد تاني، وفجأة صوت التلفزيون سكت في الصالة وحماتي ندهت بصوت حاد بتعملوا إيه عندكوا؟ خبيت العلبة في جيبي وشيلت بنتي وقولتلها إحنا خارجين، رايحين للدكتور، الحاجة إلهام وقفت من على الكنبة ومشيت من غير العكاز خطوة سريعة ومفيهاش الهوا، ساعتها عرفت إن حكاية الركبة كانت فيلم، وقالتلي بلاش جنان يا ندى ومتاخديش البت وتعملي شوشرة على الفاضي، فريدة استخبت في رقبتي وأنا فتحت الباب وجريت، وقبل ما نوصل للأسانسير تليفوني اتهز، كان مصطفى باعت بيقولي متبقيش مجنونة وأمي قالتلي على غسيل مخك، ارجعي بالبنت حالا، م رديتش، ونزلت خدت تاكسي وعلى المستشفى فوراً، وفي الطريق فريدة همستلي هو بابا هيزعل مني؟ قولت لها لا يا حبيبتي، بس الحقيقة إني مكنتش ضامنة أي حاجة، الدكتور لما شاف العلبة وشه اتقلب، وطلب تحليل دم فوري وخدني على انفراد وقالي يا مدام
ندى الموضوع ده مش خناقة عائلية، دي مصيبة وجريمة، تليفوني رن تاني، كانت رسالة من حماتي بتقول أنا عارفاكي فين، إياكي تخليهم يسحبوا منها نقطة دم واحدة، وإلا هتندمي ندم عمرك، بصيت من شباك العيادة لقيت عربية مصطفى بتركب الرصيف، وحماتي قاعدة جنبه وبتتبسم بكل برود، فريدة عيطت وقالتلي يا ماما متخليش تيتا تدخل للدكتور لوحدها وتكذب عليه، هنا بس الفكرة المرعبة لفت في دماغي، فريدة مش خايفة من الحبوب بس، فريدة خايفة من السـم اللي حماتي بخته في ودن جوزي وعيلتي كلها عني، ولما شفت مصطفى داخل من باب العيادة وعينيه بتطق شرار، عرفت إن الكابوس اللي عايشة فيه أكبر بكتير من مجرد حباية دواء، وإن اللي جاي هيهد البيت كله على دماغي ودماغ بنتي.
يا ترى ندى هتعرف تنقذ بنتها من حماتها وجوزها؟ وإيه السر المرعب اللي حماتها مخبياه وعاوزة تداريه بأي ثمن؟ الحقيقة صدمتها فوق ما تتخيلوا واللى جاي هيحبس أنفاسكم.
باب العيادة اتفتح بعنف، ومصطفى دخل وهو متوتر بشكل عمري ما شوفته عليه قبل كده، وشه محمر وعينيه كلها غضب، ووراه الحاجة إلهام ماشية بهدوء غريب، نفس الابتسامة الباردة على وشها كأنها داخلة مناسبة مش مستشفى.

أول ما فريدة شافتهم، اتشبثت فيا بقوة لدرجة إن ضوافرها الصغيرة غرست في رقبتي، ودفنت وشها في صدري وهي بتترعش.

مصطفى

قرب مني وقال بصوت واطي لكنه مخيف: — “إنتي اتجننتي؟ جايبة البت تعمليلها تحاليل عشان حباية برد؟”

بصيتله وأنا مش مستوعبة إنه شايف كل ده عادي. قولتله: — “دي مهدئات يا مصطفى… مهدئات كبار!”

حماتي اتدخلت بسرعة وهي بتمثل الصدمة: — “يا نهار أبيض! دي بتتبلى عليا! دي دوا الأعصاب بتاعي وأنا ست كبيرة!”

لكن الدكتور خرج في اللحظة دي.

وشه كان جامد جدًا، وبص لمصطفى مباشرة وقال: — “حضرتك والد الطفلة؟”

— “أيوه.”

— “يبقى لازم تعرف إن بنتك عندها آثار مادة مهدئة في جسمها فعلًا.”

الصمت وقع زي الحجر.

أنا حسيت بركبتي بتسيب. أما مصطفى فلف بسرعة ناحية أمه، وكأنه لأول مرة يشك.

لكن الحاجة إلهام كانت مستعدة.

بدأت تعيط فجأة وتحط إيدها على قلبها: — “شفت يا ابني؟ مراتك بتلفقلي! أكيد هي اللي ادتها حاجة وعاوزة تلبسها فيا!”

الكلمة خبطتني في وشي. بصيت لمصطفى مستنية يقولها تسكت… لكنه سكت.

والسكوت وقتها كان أوجع من أي اتهام.

الدكتور طلب الأمن. وقال إن الحالة لازم يتبلغ عنها رسميًا لأن إعطاء طفل مهدئات من غير وصف طبي جريمة.

أول ما سمع كلمة “شرطة”، وش حماتي اتغير. الخوف الحقيقي ظهر أخيرًا.

وفجأة صرخت: — “أنا كنت بريحها بس! البت دي كانت شقية وبتعيط طول اليوم!”

كلنا بصين لها.

وهي كملت بانهيار: — “وأمها مشغولة

بنفسها طول الوقت! كنت بديها نص حباية

تم نسخ الرابط