زوج أمي الفقير ربّاني 18 سنة… وفي يوم جنازتها اكتشفت أن اسمي مخفي داخل إمبراطورية مليارية في بغداد!
دون استئذان.
كان كريم في آخر القاعة يراجع أوراقًا.
وحين رفع عينيه نحوي، شحب وجهه.
لم تكن ردة فعل أنيقة.
ولا سينمائية.
بل بشرية جدًا.
الرجل الذي أرسل لي المال ثمانية عشر عامًا دون أن يجرؤ على نطق اسمي، بدا وكأنه فقد الهواء فجأة.
لم يمنحه رائد وقتًا.
اقترب من الطاولة الرئيسية، تحدث مع المنظمين، ثم أعلن، بذلك الهدوء المرعب الذي يملكه الناس الذين يعرفون أين يضعون المشرط بالضبط، أنه يمثل مالكة حصص مؤثرة تمتلك وثائق تغيّر جدول الاجتماع بالكامل.
بدأ الهمس.
تحركت الكراسي.
وخرجت الهواتف.
اندفع سامر بغضب.
ما معنى هذا؟
لم يرمش رائد حتى.
معناه أن الموجودين هنا يجب أن يعرفوا أن الشركة أخفت ديونًا عبر شركاتها التابعة لسنوات، وأن جزءًا من تلك القرارات يحمل توقيعك أنت.
هبط الصمت ثقيلًا.
تقدمت رنا خطوة.
ومن هذه؟
هنا جاء دوري.
شعرت بساقيّ كالمطاط.
شعرت بأمي.
شعرت بطارق وهو يعدّل ياقة قميصي.
شعرت بكل الإهانة التي ابتلعتها منذ قبل ولادتي.
وهذه المرة
لم أبتلعها.
أنا سارة الجبوري ابنة هناء الجبوري.
رأيت الاسم يصطدم بذاكرة كريم كالحجر.
ضحكت رنا، لكنها كانت ضحكة هشة.
لا أعرف من أرسلكِ يا فتاة، لكن
رفع رائد نسخة مصدقة من اعتراف الأبوة.
الآنسة سارة الجبوري هي أيضًا الابنة البيولوجية للسيد كريم الساعدي.
انفجر كل شيء دفعة واحدة.
أصوات.
صراخ.
هواتف تصوّر.
سامر يلتفت نحو والده بغضب
رنا تفقد لونها.
وكريم
كريم يغرق داخل بدلته الفاخرة.
قل لهم إنها كذبة بصقها
سامر.
فتح كريم فمه.
ولم يخرج شيء.
لا أعرف ماذا كنت أتوقع.
جبنًا آخر ربما.
إنكارًا جديدًا.
لكن بعد ثمانية عشر عامًا، نظر إليّ أخيرًا مباشرة.
ليست كذبة قال.
لم أشعر بالانتصار.
ولا بالفرح.
فقط فراغ بارد، كأن جزءًا من حياتي أصبح رسميًا بعد فوات الأوان.
صفعته رنا أمام الجميع.
الصوت جعل جسدي يرتجف.
أهنتنا من أجل تلك المرأة ومن أجل ابنة غير شرعية! صرخت وهي خارجة عن سيطرتها.
أردت الرد.
أردت الدفاع عن أمي.
لكن كريم، الذي لم يدافع عنها حين كان ذلك مهمًا، امتلك أخيرًا ذرة متأخرة من الكرامة.
لا تعيدي قولها هكذا.
كانت محاولة صغيرة جدًا.
سخيفة.
ومتأخرة.
لكنها جعلتني أفهم شيئًا
حتى هو عاش راكعًا طوال حياته.
حاول سامر انتزاع الملف من يد رائد.
تدخل الأمن.
بدأ المستثمرون بالخروج من القاعة، وآخرون يجرون اتصالات.
وخلال أقل من عشر دقائق بدا الفندق كأنه يحترق بلا نار.
طلب رائد تعليق الاجتماع.
وأعلن أن المعلومات وصلت بالفعل إلى الجهات المالية وعدد من الدائنين.
لم يكن تهديدًا.
بل أمرًا انتهى فعليًا.
اقتربت من الطاولة وأخرجت رسالة أمي من حقيبتي.
وضعتها أمام كريم.
أمي قضت سنوات تخيط الثقب الذي فتحته أنت في هذه الحكاية وحتى بعد ذلك خفت أن تنظر في وجهها.
أخذ الرسالة بيدين مرتجفتين.
لكنه لم يفتحها.
أنا
كرهته بسببها.
لأن هناك رجالًا يظنون أن كلمتين تكفيان
لعبور ثمانية عشر عامًا من الغياب، ومصنع خياطة، وامرأة سُحبت من شعرها، وابنة تربّت على الحافة.
لا قلت أنت آسف اليوم فقط لأن الجميع ينظر إليك.
وغادرت.
خارج الفندق هاجمتني رغبة بالتقيؤ من شدة التوتر.
أمسكني رائد من ذراعي حتى استطعت التنفس مجددًا.
لا أعرف كم مرّ من الوقت.
نصف ساعة.
أو عمر كامل.
عند الغروب ذهبت إلى المقبرة.
كان طارق هناك مسبقًا، جالسًا قرب قبر أمي، وبجانبه كيس كليجة وكأسان من الشاي، كأن حتى الحزن له موعد ثابت عنده.
رآني أقترب ولم يسأل شيئًا.
مدّ لي الكأس فقط.
جلسنا صامتين لبعض الوقت.
ثم أخبرته بكل شيء.
الاجتماع.
الصفعة.
اعتراف كريم أخيرًا.
انهيار رنا من الغضب.
سقوط سامر مع مشاريعه.
الصندوق الاستثماري.
وخوفي من أن أصبح إنسانة مريرة.
استمع دون أن يقاطعني.
وعندما انتهيت، مسحت دموعي بعنف.
أنا أشبهه قلت وأنا أنظر إلى قبر أمي هؤلاء الناس سينظرون إليّ دائمًا ويرون وجهه أولًا.
أطلق طارق زفرة ساخرة.
خلي معدتهم تنعقد إذن يا بنتي. أنتِ تعرفين جيدًا مَن تشبهين فعلًا.
من؟
أشار إلى شاهد القبر.
العنيدة المدفونة هنا وقليلًا مني، حتى لو يزعجك هذا.
ضحكت وأنا أبكي.
وفي تلك الليلة فهمت أن هناك ألقابًا تورّث بيتًا
وأخرى تورّث عمودًا فقريًا.
في الأشهر التالية، انهارت مجموعة الساعدي أسرع مما تجرأت الصحف
دعاوى.
تحقيقات.
استقالات.
حاول كريم الوصول إليّ أكثر من مرة.
في البداية عبر المحامين.
ثم وحده.
أراد أن يمنحني اسمه، وبيتًا، وجزءًا لائقًا من ميراثه.
لم أقبل اسمه أبدًا.
لكنني قبلت ما كان حقي.
ليس لأجلس إلى طاولته
بل لأقف بعيدًا عنها.
بالمال النقدي، وجزء من الصندوق الاستثماري، وبيع بعض الحصص قبل الانهيار الكامل، افتتحت مشغلًا ومدرسة خياطة في الحي القديم الذي عاشت فيه أمي.
ليس مكانًا للاستعراض والتصوير الخيري.
بل مكانًا حقيقيًا.
ماكينات جيدة.
حضانة للأطفال.
استشارات قانونية للنساء.
ومنح لبنات الخياطات.
سمّيته
هناء.
في يوم الافتتاح حملت دفتر التوفير داخل حقيبتي.
فارغًا
لكنه ما زال كما هو.
قصّ طارق الشريط معي لأنني أردت ذلك.
لأن الرجل الذي علّمني كيف أعيش لن يبقى ضيفًا داخل حكايتي.
وعندما انتهى كل شيء وغادر الناس، بقيت وحدي داخل المشغل.
كانت رائحة القماش الجديد تختلط برائحة الطلاء.
وفي الخارج كان الليل ينزل ببطء.
أخرجت صورة كريم القديمة ونظرت إليها للمرة الأخيرة.
نعم.
كنا نملك الوجه نفسه.
شكل العينين نفسه.
والفم نفسه.
لكن ذلك لم يعد يخيفني.
طويتها ببطء، ثم وضعتها في آخر درج.
المكان الذي تُترك فيه الأشياء التي وُجدت يومًا
لكنها لم تعد تتحكم بنا.
أطفأت الأنوار.
أغلقت الباب.
وقبل أن أغادر، مررت أصابعي فوق لوحة اسم أمي.
طوال حياتي ظننت أنها تركت لي أسئلة.
وفي النهاية
فهمت أنها تركت لي أسلحة.
وتركت لي حقيقة واحدة لم يستطع أحد انتزاعها مني أبدًا
الدم قد يمنحك وجهًا
لكن الحب وحده يعلمك كيف تحمله دون أن تخفض رأسك.