لم تكن ابنتي تخاف المرض… كانت تخاف العودة إلى البيت

لمحة نيوز

الخارج، كانت القاهرة مزدحمة كعادتها.
صوت السيارات.
باعة الشاي.
الناس الخارجة من محطة المترو.
والحياة التي لا تتوقف مهما حدث.
وقفت مريم للحظة أمام باب المستشفى وكأنها تخاف الخطوة التالية.
اقتربت منها هبة وقالت بابتسامة صغيرة
يلا يا بنتي البيت مستنينا.
لم نذهب إلى شقتنا.
ذهبنا إلى فيصل، إلى شقة هبة الصغيرة في الطابق الرابع.
كانت الشقة ضيقة.
وأصوات الأطفال لا تتوقف.
لكنها كانت أول مكان تنام فيه مريم دون خوف منذ سنوات.
في الليلة الأولى هناك، بقيت مستيقظة حتى الفجر تقريبًا.
كلما تحرك أحد في الشقة، كانت تفتح عينيها فورًا.
وكلما سمعنا صوت موتور أو رجل يتحدث بصوت عالٍ في الشارع،
كانت تنظر نحو الباب بتوتر.
حتى قالت لها هبة بهدوء
حسام ميعرفش إحنا هنا.
هزّت مريم رأسها، لكنها ظلت ممسكة بالبطانية بقوة طوال الليل.
الأيام التالية لم تكن سهلة.
كانت هناك أوراق وتحقيقات وأسئلة كثيرة.
وضباط.
وتقارير طبية.
وجلسات طويلة تجعلني أعيد كل شيء حدث في بيتنا سنة وراء سنة.
وفي كل مرة أحكي، كنت أكتشف أشياء لم أفهمها وقتها.

كيف كانت مريم تصمت فور دخول حسام.
كيف كانت ترتب كلامها قبل أن تتحدث.
كيف كانت تعتذر حتى عندما لا تخطئ.
في إحدى الجلسات، سألتني الأخصائية
إمتى آخر مرة شفتي بنتك مرتاحة فعلًا؟
ولم أعرف ماذا أقول.
لأنني لم أتذكر.
بعد فترة، طلبت مريم العودة للدراسة.
قالت
مش عايزة أفضل مستخبية.
ساعدتها هبة في تجهيز ملابسها.
وفي أول يوم مدرسة، بقيت واقفة عند الباب تتردد.
قلت لها
لو مش قادرة نرجع.
لكنها هزّت رأسها.
لا عايزة أحاول.
راقبتها وهي تدخل المدرسة ببطء.
وكان قلبي يرتجف كأنني أتركها هناك وحدها لأول مرة.
في المساء، عادت متعبة لكنها هادئة.
ثم قالت فجأة
الأخصائية النهارده.
ابتسمت لأول مرة منذ أيام.
وقالت لي إني شجاعة.
شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلي.
لأن ابنتي التي قضت سنوات تشعر بالخوف بدأت أخيرًا ترى
نفسها بطريقة مختلفة.
مرت الشهور ببطء.
كنت أعمل ساعات إضافية.
وهبة تساعدنا قدر ما تستطيع.
بعنا بعض الأشياء.
وتنازلت عن أشياء كثيرة كنت أظنها مهمة.
لكن البيت صار أهدأ.
لم يعد أحد يخاف صوت المفتاح في الباب.
لم تعد مريم تقفز
مذعورة عندما يرتفع صوت أحد.
وفي إحدى الليالي، وجدتها تكتب داخل دفتر أصفر صغير.
سألتها
بتكتبي إيه؟
أغلقت الدفتر بسرعة.
ولا حاجة.
ثم بعد لحظة، فتحته وأعطتني إياه.
في أول صفحة كانت هناك جملة قصيرة
أنا لسه عايشة.
شعرت بالدموع تملأ عيني فورًا.
وفي الصفحة الثانية كتبت
ماما صدقتني حتى لو متأخر.
بكيت بصمت.
لكنني هذه المرة لم أحاول إخفاء دموعي عنها.
بعد عدة أشهر، عدنا إلى الشقة القديمة مع الشرطة حتى نأخذ باقي أغراضنا.
وقفت مريم عند الباب ولم تدخل.
قالت بصوت منخفض
مش عايزة أشوفه.
قلت
مش لازم.
دخلت أنا وهبة فقط.
كانت الشقة كما تركناها.
كوب حسام فوق الطاولة.
وحذاؤه قرب الباب.
ورائحة البيت نفسها التي كنت أظن يومًا أنها رائحة الأمان.
جمعت ملابس مريم وكتبها وبعض الصور القديمة.
ثم وجدت الدبدوب الصغير الذي كانت تنام بجانبه وهي طفلة.
ضحكت هبة وقالت
دي كانت مخبياه سنين.
أخذته معي.
وعندما أعطيته لمريم في
السيارة، ضمته إلى صدرها بصمت طوال الطريق.
في تلك الليلة، نامت وهي ممسكة به.
كما لو أن جزءًا صغيرًا منها عاد أخيرًا
إلى الحياة.
وبعد عام كامل، احتفلنا بعيد ميلادها السادس عشر داخل شقة هبة.
لم تطلب حفلة كبيرة.
فقط تورتة صغيرة.
وأضواء بسيطة.
وعشاء هادئ.
عندما انتهينا، أعطيتها هدية صغيرة.
نظرت إليّ باستغراب.
إيه ده؟
قلت
افتحي.
فتحت العلبة ببطء.
وفي داخلها كانت هناك مفتاح صغير.
رفعت عينيها نحوي.
مفتاح إيه؟
قلت بابتسامة هادئة
أوضتك الجديدة.
بدأت تبكي فورًا.
لكنها ضحكت وسط دموعها.
وقالت
يعني أقدر أقفل الباب براحتي؟
قلت
أيوه.
وهتخبطوا قبل ما تدخلوا؟
اقتربت منها وربتّ على شعرها.
دايمًا.
في تلك الليلة، بعدما نام الجميع، جلست وحدي في الصالة الصغيرة.
أصوات الشارع تدخل من الشباك.
وبائع ذرة ينادي بعيدًا.
وشقة هبة الهادئة تبدو أصغر من أحلامنا لكنها أكثر دفئًا من أي بيت عشنا فيه سابقًا.
خرجت مريم من غرفتها وشعرها مبعثر من النوم.
قالت
ماما.
نعم؟
اقتربت وجلست بجواري.
كنت بس عايزة أتأكد إنك هنا.
فتحت لها ذراعي فورًا.
فاستندت برأسها على كتفي كما كانت تفعل وهي طفلة.
وبينما كنت أضمها بهدوء، أدركت أخيرًا أن إنقاذ ابنة لا يبدأ
دائمًا
بالقوة.
أحيانًا يبدأ في ليلة واحدة فقط
عندما تتوقف أم عن طلب الإذن.
وتخرج من الباب الخلفي وهي تحمل الشيء الوحيد الذي يستحق النجاة.

تم نسخ الرابط