توقي شقيقي الاكبر
المحتويات
الهواء في المكان. خلفه وقف رجلان آخران، ضخما البنية، بوجوه جامدة.
أغلق الرجل الباب بنفسه. ثم قال بصوت منخفض الأستاذة ليلى عبد الرحمن؟
وقفت ببطء. شعرت بأن ساقيّ بالكاد تحملانني.
نعم أنا.
أخرج ملفاً بنياً سميكاً ووضعه أمامي على الطاولة.
أنا كريم السيوفي. ممثل عن الجهة المذكورة في العقد.
شهقت دينا أي جهة؟! ماذا يحدث هنا؟!
نظر إليها للحظة قصيرة فقط، ثم أعاد نظره إليّ.
شقيقكِ اقترض قبل ثلاث سنوات مبلغاً كبيراً لتغطية خسائر الشركة بعد انهيار صفقة دبي. كان يظن أنه سيتمكن من السداد سريعاً لكنه فشل.
هززت رأسي بعدم تصديق. مستحيل طارق لم يخبرني بأي خسائر.
ابتسم كريم بسخرية باردة. لأنكِ كنتِ الحل الأخير دائماً. كل مرة كان يسقط، كنتِ أنتِ من تنقذينه دون أن تعرفي حتى.
فتح الملف. كانت بداخله صور تحويلات عقود.
وأخيراً وثيقة تحمل توقيعي أنا.
شعرت بقلبي يهبط.
هذا هذا توقيعي فعلاً
قال المحامي عصام بصوت خافت عقد الكفالة.
صرخت أنا لم أوقع على أي كفالة!
رد كريم بهدوء مرعب وقعتِ. قبل سنة. ضمن أوراق إعادة هيكلة الشركة.
تذكرت فجأة.
تلك الليلة. حين بقيت حتى الثالثة فجراً أوقع عشرات الأوراق لإنقاذ صفقة المستثمرين. طارق كان
متوتراً وقتها ويكرر
ثقي بي يا ليلى، مجرد إجراءات روتينية.
أغمضت عيني للحظة. شعرت بالغثيان.
دينا نهضت بعنف. لحظة! هذا ليس شأني! أنا زوجته! أي ديون تخصه هو!
التفت إليها
بل تخصكِ أيضاً.
ارتبكت. ماذا؟
سحب ورقة أخرى ووضعها أمامها.
زوجكِ نقل جميع الأصول باسمكِ الأسبوع الماضي وهذا يجعلكِ المالكة القانونية لكل الضمانات المصادرة.
اختفى لون وجهها بالكامل.
لا لا هذا غير صحيح
بل صحيح جداً. الحسابات، الفيلا، السيارات، الأسهم حتى المجوهرات التي ترتدينها الآن أصبحت ضمن الحجز.
وضعت دينا يدها على عقد الألماس حول عنقها وكأنها تحاول حمايته.
ثم همست طارق قال إن النقل لحمايتي
رد كريم ببرود طارق كان يحاول شراء وقت إضافي.
ساد صمت ثقيل.
ثم نظرتُ إلى كريم مباشرة. هل قتلتم أخي؟
لثانية واحدة ساد شيء يشبه الفراغ في وجهه.
ثم قال شقيقكِ كان مريض قلب منذ سنوات. نحن لا نقتل أحداً نحن فقط لا نمنح المزيد من الوقت.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
دينا بدأت تبكي بانهيار حقيقي هذه المرة. أرجوكم خذوا أي شيء لكن ليس البيت
قال كريم تم بيعه صباح اليوم.
شهقت ماذا؟!
والسيارات ستُسحب خلال ساعة. أما الشركة فانتقلت ملكيتها إلينا منذ توقيع آخر عقد.
ثم نظر إليّ مجدداً.
بقي أمر واحد فقط.
تصلبت معدتي.
أخرج ظرفاً أبيض صغيراً. ودفعه نحوي.
فتحته
بيد مرتجفة.
كانت رسالة بخط طارق.
ليلى إذا كنتِ تقرئين هذا، فهذا يعني أنني فشلت. أعرف أنكِ ستكرهينني. وربما هذا أقل ما أستحقه.
حاولت حماية الشركة ثم حاولت حماية دينا وفي النهاية دمّرتكِ أنتِ.
لكن هناك شيء
تذكري الخادم القديم في المخزن رقم 14. لا تثقي بأحد. ولا تسمحي لهم بالحصول على الملف الأحمر.
سامحيني أخوكِ الذي خذلكِ أخيراً.
رفعت عيني ببطء.
كريم كان يراقبني بعناية شديدة.
وقال أين الملف الأحمر يا أستاذة ليلى؟
وفي تلك اللحظة فقط
أدركت أن أخي لم يترك لي ديوناً فقط.
بل ترك لي شيئاً أخطر بكثير شيئاً قد يجعلني الهدف التالي.
نظرتُ إلى الرسالة مرة أخرى.
يدي كانت ترتجف لكن عقلي بدأ يعمل أخيراً.
المخزن رقم 14.
الخادم القديم.
الملف الأحمر.
كلها كلمات لم تكن عشوائية.
طارق لم يكن يكتب رسالة وداع كان يترك خريطة نجاة.
رفعت رأسي ببطء نحو كريم السيوفي.
ابتسمت لأول مرة منذ موت أخي.
ابتسامة صغيرة لكنها أربكته.
قال ببرود يبدو أن الرسالة أعادت لكِ شجاعتكِ.
أغلقت الظرف بعناية. ثم قلت يبدو أنكم تأخرتم.
تغيرت ملامحه لأول مرة.
ماذا يعني هذا؟
أسندت ظهري إلى الكرسي. وأنا أحدق مباشرة في عينيه
يعني أن طارق لم يكن غبياً كما ظننتم لأنه لو كان الملف معكم، لما جئتم إليّ بأنفسكم.
ساد الصمت.
ثم نهض كريم ببطء.
أعتقد أنكِ لا تدركين وضعكِ الحالي.
أجبته بهدوء بل أدركه تماماً. أنتم تحتاجونني أكثر مما أحتاجكم.
دينا كانت تنظر بيننا بانهيار كامل، كأنها تشاهد مباراة لا تفهم قواعدها.
اقترب كريم من الطاولة. ووضع كفيه عليها.
اسمعيني
همست إذن أنتم خائفون فعلاً.
وللمرة الأولى لم يجب.
هنا فقط تأكدت.
الملف ليس مجرد حسابات.
بل دليل.
دليل على شيء أكبر بكثير من ديون شركة.
وقفتُ فجأة. حملت حقيبتي. ثم التفتُّ نحو المحامي عصام.
هل انتهت الجلسة؟
فتح فمه مرتبكاً أ أظن ذلك.
نظرت إلى دينا.
كانت تبكي بصمت، الماسكارا تسيل على وجهها، ويديها ترتجفان.
قبل ساعات فقط كانت تريد طردي إلى الشارع.
والآن أصبحت هي نفسها بلا بيت بلا مال وبلا زوج.
اقتربتُ منها. ثم نزعت خاتم الشركة من إصبعي ووضعته أمامها.
الخاتم الذي حمل شعار شركتنا عشرين سنة.
قلت بهدوء كنتِ تريدين كل شيء يا دينا خذيه.
ثم خرجت.
لكن قبل أن أصل إلى المصعد، سمعت خطوات كريم خلفي.
استدرت ببطء.
وقف على بعد مترين فقط.
وقال إذا هربتِ سيجدونكِ.
أجبته ومن قال إني سأهرب؟
ثم دخلت المصعد وأغلقت الباب في وجهه.
بعد ساعة
كنت أقف أمام المخزن رقم 14 في المنطقة الصناعية القديمة.
المكان مهجور
منذ سنوات.
المطر بدأ يهطل خفيفاً، والهواء يحمل رائحة الحديد والصدأ.
أدخلت المفتاح القديم الذي وجدته بين
أغراض طارق.
فتح الباب بصعوبة.
الظلام كان كثيفاً.
أضأت هاتفي وتحركت بين الصناديق المغبرة حتى رأيته.
الخادم القديم.
مغطى بقطعة قماش رمادية.
اقتربت منه ببطء.
وكان هناك شيء فوقه.
ملف أحمر.
تماماً كما قال طارق.
لكن الملف لم يكن وحده.
كان فوقه مسدس صغير ورسالة أخرى.
فتحتها بسرعة.
ليلى إذا وصلتِ إلى هنا قبلهم،
متابعة القراءة