زوّجوني لرجلٍ أصمّ يعيش وحيدًا في جبال شمال الأردن
المحتويات
أذنه.
تراجعت بفزع.
لكنه فقد توازنه وسقط على ركبتيه.
أمسكت كتفه بسرعة قبل أن يرتطم بالأرض.
كان جسده يحترق من الحمّى.
ركضت نحو المطبخ الصغير، أحضرت ماءً دافئًا وبعض القماش، ثم جلست أمامه تحت ضوء المصباح الضعيف.
حاول إبعاد يدها.
لكنها أمسكت معصمه بقوة لأول مرة.
اهدأ.
نظر إليها بتعب شديد.
ثم ترك يده تسقط ببطء.
بدأت تنظف الدم بحذر.
كان هناك التهاب واضح داخل الأذن.
وصديد قديم متراكم.
لكن أثناء التنظيف، شعرت بشيء صلب في الداخل.
توقفت.
عبست.
أدخلت طرف الملقط المعدني بحذر أكبر.
الرجل شد أسنانه من الألم.
شيء ما كان عالقًا عميقًا.
سحبت ببطء.
وفجأة
خرج خيط داكن طويل مغطى بالصديد.
ثم سقطت قطعة معدنية صغيرة داخل الصحن الفخاري بصوت خافت.
تجمّدت.
قطعة نحاس صغيرة.
حادة الأطراف.
ومحفور عليها هلال صغير يشبه رمز المسجد القديم في القرية.
رفع الرجل رأسه فجأة.
حدق بالقطعة.
ثم حدث شيء لم تتوقعه أبدًا.
بكى.
ليس كبكاء مرتفع
بل بصمت كامل.
دموع نزلت من عينيه المفتوحتين كأن ذكرى مدفونة انفجرت داخله دفعة واحدة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ما هذه؟
كان يتنفس بصعوبة.
ثم تحركت شفتاه ببطء شديد.
ز
تجمّد جسدها بالكامل.
هو
يتكلم؟
زهراء.
خرج اسمها مبحوحًا، متكسرًا، كأنه صوت لم يُستخدم منذ سنوات طويلة.
غطّت فمها بصدمة.
أما هو، فظل يحدق بقطعة النحاس وكأنها أخرجت عمرًا كاملًا من الظلام.
لم يناما حتى الفجر.
أشعلت النار أكثر من مرة، ووضعت الكمادات فوق
أذنه الملتهبة.
أما هو، فجلس ممسكًا
ثم بدأ يكتب.
أنا لم أولد أصم.
شعرت أن قلبها توقف لحظة.
رفع عينيه نحوها.
ثم أكمل.
كنت أسمع كل شيء.
كلمات قليلة.
متقطعة.
لكنها كانت كافية لفتح باب عمره عشرون سنة.
كتب عن طفولته.
عن والده.
عن الأرض الواقعة قرب الينابيع الجبلية.
وعن الطريق القديم الذي تمر منه تجارة كثيرة لا يحب الناس الكلام عنها.
ثم كتب اسم صاحب الجمعية.
بعدها توقف طويلًا.
أنفاسه أصبحت أثقل.
ثم كتب
أبي رفض بيع الأرض.
تسارعت نبضات قلبها.
سمعتهم خلف المسجد القديم.
هو والطبيب ورجل من البلدية.
هددوا أبي.
رفعت عينيها عنه ببطء.
كان وجهه شاحبًا تحت ضوء النار.
لكن نظرته هذه المرة لم تكن نظرة رجل مخيف.
بل نظرة رجل عاش سنوات داخل رعب لم يفهمه أحد.
أكمل الكتابة بصعوبة.
بعد يومين مات أبي.
قالوا حادث.
لم يكن حادثًا.
شعرت بأنفاسها تضيق.
ثم جاءت الجملة التي جعلت البرد يختفي تمامًا من حولها.
أخذوني للطبيب.
توقفت يده للحظة.
ثم تابع.
ثبتوني بالقوة.
ثقبوا أذني.
وضعوا النحاس.
أغمضت عينيها.
كأنها تسمع صراخ طفل صغير وسط العاصفة.
كنت أصرخ.
ثم لم أعد أسمع جيدًا.
ثم خفت من الكلام.
ثم صار الصمت أسهل.
نزلت دمعة ساخنة فوق خدها دون أن تشعر.
طوال عمرها صدقت ما يقوله الناس عنه.
الوحش.
المجنون.
الرجل المخيف.
لكن الحقيقة؟
كان طفلًا محطمًا تُرك وحده حتى تحول ألمه إلى شيء يخشاه الجميع.
رفعت رأسها نحوه.
لماذا لم تخبر أحدًا؟
ابتسم ابتسامة قصيرة مكسورة.
ثم كتب
لا أحد أراد أن يسمع.
ساد الصمت طويلًا.
النار
والريح تعصف خارج البيت.
ثم كتبت هي ببطء
سنذهب إلى طبيب خارج القرية.
ما إن قرأ الجملة حتى تغير وجهه فورًا.
هز رأسه بعنف.
خوف حقيقي ظهر داخل عينيه.
سيعرفون.
سيقتلونني.
شعرت بقلبها ينقبض.
اقتربت منه أكثر.
لن أتركهم يفعلون.
حدق فيها طويلًا.
كأنه لا يفهم لماذا تساعده.
لماذا تصدقه.
لماذا لم تهرب منه مثل بقية الناس.
ثم كتب ببطء شديد
لماذا؟
نظرت إلى يديه الخشنتين الممتلئتين بالجروح القديمة.
إلى الرجل الذي عاش عمره كله يُعامل كأنه شيء مشوّه.
ثم قالت بهدوء
لأنك رغم كل ما فعلوه بك لم تؤذني يومًا.
ظل ينظر إليها.
ولأول مرة منذ دخلت هذا البيت
شعرت أن الصمت بينهما لم يعد مخيفًا.
بل صار يشبه الأمان.
وفي الخارج، استمرت الثلوج تتساقط فوق جبال الأردن الباردة
بينما شيء قديم جدًا بدأ أخيرًا يخرج من تحت الصمت.
مع أول ضوء للفجر، كانت السماء فوق جبال شمال الأردن رمادية وثقيلة كأنها لم تنم طوال الليل.
الثلج المتراكم فوق سفوح وادي الريح جعل القرية تبدو معزولة تمامًا عن العالم، كأن الجبال ابتلعتها وأغلقت عليها الصمت.
وقفت زهراء أمام الحظيرة تلفّ الشال الصوفي حول رأسها بينما أنفاسها تتحول إلى ضباب أبيض في الهواء البارد.
خلفها، خرج حيدر من البيت ببطء.
وجهه شاحب.
وعيناه غائرتان من الحمى والسهر.
لكن شيئًا داخله كان مختلفًا.
كأن جزءًا من ذلك الصمت القديم تصدّع أخيرًا.
اقتربت منه وهي تحمل كيسًا صغيرًا
فيه خبز يابس وقليلًا من الجبن وبعض المال الذي أخفته سنوات داخل
كتبت بسرعة في الدفتر
سننزل إلى إربد.
قرأ الجملة.
ثم رفع عينيه نحو الطريق الممتد بين الجبال.
الخوف كان واضحًا على وجهه.
لكنه لم يعترض هذه المرة.
لأن الخوف نفسه لم يعد أسوأ من البقاء هنا.
قبل أن يغادرا، سمعت زهراء صوت حوافر حصان بعيد.
التفتت بسرعة.
رجل يقف أعلى التلة المقابلة للمزرعة.
يرتدي عباءة سوداء.
يراقبهما.
ما إن لمح أنها رأته، حتى استدار بحصانه واختفى بين الأشجار.
شعرت بانقباض داخل معدتها.
لقد عرفوا.
القرية كلها كانت تعرف أخبار بعضها قبل أن تكتمل أصلًا.
وأصحاب النفوذ كانوا يملكون رجالًا يراقبون الطرق والمزارع والدكاكين.
أمسكت يد حيدر بسرعة.
يجب أن نتحرك الآن.
كان الطريق إلى المدينة طويلًا وقاسيًا.
الثلوج غطّت أجزاء كبيرة من الممرات الجبلية، والريح كانت تضرب وجوههم كالسكاكين.
استأجرت زهراء شاحنة قديمة من أحد الرعاة حتى أوصلتهما إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى إربد، لأن سيارات القرية نفسها كانت تتجنب الاقتراب من مزرعة حيدر منذ سنوات.
طوال الرحلة، كان حيدر صامتًا.
أحيانًا يضغط يده فوق أذنه.
وأحيانًا يرفع رأسه فجأة كأنه يحاول التقاط صوت بعيد.
وفي منتصف الطريق، توقف
فجأة.
نظر حوله بتوتر.
ثم قال بصوت مبحوح بالكاد خرج من حنجرته
هذا؟
حدقت به زهراء.
ماذا؟
أشار نحو الوادي البعيد.
صوت.
استمعت للحظة.
ثم ابتسمت رغم خوفها.
مياه.
ظل ينظر نحو الوادي كطفل يسمع العالم
للمرة الأولى.
مياه
كرر الكلمة ببطء شديد، كأنه يتذوقها.
شعرت زهراء بشيء يعتصر
رجل حُرم من صوت الماء عشرين سنة كاملة.
وصلوا إلى إربد بعد الغروب.
المدينة بدت لحيدر كأنها عالم آخر.
أضواء السيارات.
أصوات الناس.
أبواب المحلات.
رائحة القهوة والديزل والمطر.
الأذان البعيد
متابعة القراءة