طردوا رجلًا عجوزًا من معرض سيارات فاخر وصفعوه أمام الجميع لأنه بدا فقيرًا… لكنهم تجمّدوا عندما اكتشفوا أن الاسم المكتوب فوق واجهة المعرض بدأ من عرق يديه
متابعة القراءة
أبناؤه.
وكثيرون بكوا دون أن يعرفوا لماذا.
أما أمين
فلم يعد كما كان أبدًا.
منذ تلك الليلة، اختفت البدلات المتعجرفة التي كان يرتديها في المقابلات.
وتوقف عن الحديث عن نفسه باعتباره الرجل العصامي.
لأنه فهم أخيرًا أن هناك رجلًا آخر كان يحمل عنه التعب كله منذ البداية.
رجل اسمه مصطفى الرماح.
وفي صباح يوم الجمعة، بعد أشهر طويلة من العلاج والمصالحة ومحاولات ترميم ما كسرته السنوات
أُعيد افتتاح معرض الرماح موتورز.
لكن المعرض لم يعد يشبه نفسه.
اختفت الصور الضخمة التي كانت تملأ الجدران.
واختفت العبارات اللامعة التي تتحدث عن الفخامة والطبقة الراقية.
حتى الموسيقى الهادئة داخل الصالة تغيرت.
صار المكان أبسط.
أدفأ.
أكثر إنسانية.
وعند المدخل الرئيسي
وُضعت صورة كبيرة جدًا للحاج مصطفى.
ليس ببدلة فاخرة.
ولا داخل مكتب فاخر.
بل صورته القديمة داخل الورشة الأولى.
جلباب متسخ بالزيت.
يدان متشققتان.
وابتسامة متعبة لكنها صادقة.
وكان يقف بجانبه طفلان صغيران.
أمين.
وياسر.
وتحت الصورة
هذا الرجل بدأ الحكاية.
في يوم الافتتاح، حضر رجال
أعمال وصحفيون ومشاهير.
لكن أمين لم يقف على المنصة أولًا.
بل أمسك يد والده، وساعده على الصعود ببطء أمام الجميع.
ثم قال بصوت تأثر به الحضور
طوال سنوات كنت أظن أن النجاح يعني أن يصبح اسمك معروفًا لكنني اكتشفت متأخرًا أن النجاح الحقيقي هو ألا تنسى اليد التي رفعتك عندما كنت لا تملك شيئًا.
ساد صمت طويل داخل القاعة.
حتى الكاميرات توقفت لحظة.
أما الحاج مصطفى
فلم يعرف ماذا يقول.
كان ينظر حوله فقط.
إلى الجدران.
إلى الأرضية اللامعة.
إلى السيارات التي تساوي الواحدة منها أكثر مما حلم به طوال شبابه.
ثم نظر إلى يديه.
نفس اليدين اللتين كانتا ترتجفان من التعب داخل الورشة القديمة.
اقترب منه ياسر وقتها.
ووضع في يده مفتاحًا صغيرًا.
وقال بابتسامة هادئة
تتذكر يا حاج لما كنت تقول إنك تحلم بسيارة ترتاح فيها بعدما تكبر؟
ضحك الحاج مصطفى بخفة وقال
وقتها كنت أحلم فقط ألا يتعطل سقف الورشة فوق رؤوسنا.
ضحك الثلاثة
ثم أشار أمين إلى سيارة سوداء فاخرة كانت مغطاة بقماش أبيض في منتصف الصالة.
اقترب الموظفون وسحبوا الغطاء ببطء.
ظهرت
سيارة كلاسيكية فاخرة معدلة خصيصًا.
لكن المفاجأة لم تكن في السيارة.
بل في اللوحة المعدنية الأمامية.
كان مكتوبًا عليها
M1
اختصارًا ل
Mustafa The First.
شهق الحضور.
أما الحاج مصطفى
فوضع يده على فمه من شدة التأثر.
قال أمين
هذه ليست هدية يا أبي هذه أول سيارة يشتريها صاحب المكان الحقيقي.
ارتجفت شفتا الحاج مصطفى.
ثم قال بصوت مبحوح
أنا لم أبنِ كل هذا وحدي يا ولدي.
نظر إلى ياسر.
ثم أمسك يده بقوة.
وقال
سامحني لأنني تأخرت ثلاثين سنة حتى أقول لك إنني كنت أموت كل يوم بعدك.
انخفض رأس ياسر.
وحاول أن يتمالك نفسه.
لكنه فشل.
بكى أمام الجميع.
بكى كطفل ضاع من أهله ثم عاد متأخرًا جدًا.
اقترب منه الحاج مصطفى.
وضمه إلى صدره.
وفي تلك اللحظة
صفق كل من في المعرض.
حتى الصحفيون.
حتى الحراس.
حتى مراد نفسه، الذي
وكان يقف بعيدًا يبكي بصمت.
أما نجلاء
فكانت أول من تقدم للحاج مصطفى وقالت
سامحني يا حاج والله لم أعرف.
ابتسم لها الحاج مصطفى بهدوء وقال
يا بنتي الإنسان الحقيقي يظهر عندما يرى شخصًا
ضعيفًا أمامه لا عندما يعرف أنه غني.
خفضت رأسها خجلًا.
ثم بدأت تبكي.
وفي نهاية الحفل
طلب الحاج مصطفى شيئًا غريبًا.
قال
أريد أن أذهب إلى الورشة القديمة.
نظر أمين إلى ياسر باستغراب.
لكنهم وافقوا.
قادوا السيارة الجديدة نحو المنطقة القديمة قرب الميناء.
هناك
حيث بدأت الحكاية كلها.
كانت الورشة قد اختفت منذ سنوات.
وحل مكانها مبنى حديث.
لكن زاوية صغيرة بقيت كما هي.
نزل الحاج مصطفى ببطء.
ومشى نحو الجدار القديم.
ثم وضع يده عليه.
وأغمض عينيه.
وكأنه يسمع أصوات الماضي.
صوت المطرقة.
ضحكات الطفلين.
وصوت خديجة وهي تناديهم للعشاء.
وقف أمين خلفه بصمت.
أما ياسر
فأخرج من جيبه الصورة القديمة نفسها.
الصورة
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
تخيل كل هذا بدأ من هنا.
ابتسم الحاج مصطفى وقال
لا يا ولدي كل هذا بدأ من الرحمة.
ثم التفت إليهما.
ونظر إلى ابنيه طويلًا.
وقال بصوت هادئ
المال يمكن أن يبني شركة لكن الحب وحده هو الذي يبني بيتًا لا ينهار.
وفي تلك اللحظة
شعر أمين أن كل ما حققه في حياته لم يكن يساوي شيئًا أمام وقوفه
الآن بين أبيه وأخيه.
أما الحاج مصطفى
فرفع رأسه نحو السماء.
وأطلق زفرة طويلة جدًا.
زفرة رجل حمل الذنب ثلاثين سنة.
ثم أخيرًا
سامح نفسه.