بعد ثلاثة أشهر من السفر بسبب العمل
أدركت من عينيها أنها لم تنم هي الأخرى.
جلست قربها بصمت.
وبقيت أنظر إليها عدة ثوانٍ.
كانت أضعف مما أتذكر.
وأكثر هدوءًا مما ينبغي.
قالت دون أن تنظر إليّ
هل ستسافر اليوم؟
أومأت برأسي.
ثم قلت
نعم.
لكنني لن أسافر للعمل هذه المرة.
رفعت عينيها نحوي.
فأكملت
سأذهب إلى بغداد.
وسأعود بالحقيقة كاملة.
ظل الصمت بيننا للحظات.
ثم سألت بصوت متعب
وهل ما زالت هناك حقيقة لم نعرفها بعد؟
شعرت بوخزة مؤلمة في صدري.
لأن السؤال لم يكن موجهًا إلى المؤامرة.
بل إليّ.
قلت بهدوء
نعم.
وهذه المرة لن أترك أحدًا يخفيها.
خفضت رأسها.
ثم
كنت أتمنى لو قلت هذه الجملة قبل أشهر.
لم أجد جوابًا.
لأنها كانت محقة.
بعد ساعات كنت أجلس في الطائرة المتجهة إلى بغداد برفقة المحامي خالد.
فالشركة التي أبقتني بعيدًا عن بيتي طوال الأشهر الماضية كانت تملك مقرها الرئيسي هناك، ومن بغداد بدأت الخيوط الأولى التي أوصلت جاسم إلى حياتنا كلها.
كان خالد صديقًا قديمًا للعائلة، لكنه كان أول شخص نظر إلى الوقائع بعين القانون لا بعين
المجاملة.
قرأ الملف الذي جمعناه خلال الأيام الماضية.
ثم أغلقه ببطء.
وقال
إن كانت نصف هذه الأدلة صحيحة فالأمر أخطر مما ظننت.
نظرت عبر نافذة الطائرة.
وقلت
كنت
أما الآن فأشعر أنني لا أعرفها أصلًا.
تنهد خالد...
وقال
بعض الناس لا يرون أبناءهم كأشخاص مستقلين.
يرونهم امتدادًا لأنفسهم فقط.
وعندما يرفض الواقع أن يطابق الصورة التي رسموها يبدأ الخراب.
أغمضت عيني.
وعادت إليّ كلمات أمي.
مريم لا تصلح لهذا البيت.
مريم ضعيفة.
مريم لا تتحمل المسؤولية.
مريم لا تعرف كيف تكسب احترام الناس.
كانت تردد هذه الجمل سنوات طويلة.
وكنت أظنها مجرد انتقادات عابرة.
لكنني بدأت أفهم أخيرًا أنها لم تكن تحاول تغيير مريم.
بل كانت تحاول كسرها.
ما إن وصلنا إلى بغداد حتى توجهنا
كانت زينب تعمل هناك قبل أسابيع قليلة.
ولم تكن مجرد موظفة عادية.
بل كانت الحلقة التي بدأت تكشف الخيوط كلها.
وجدنا مكتبها فارغًا.
لا ملفات.
لا صور.
لا أغراض شخصية.
كأن أحدًا تعمد محو وجودها بالكامل.
خرج مدير القسم عندما علم بوجودنا.
صافحني بسرعة.
لكن القلق كان ظاهرًا على وجهه.
قال
أحمد... لم أكن أتوقع حضورك.
قلت
وأنا لم أكن أتوقع اختفاء موظفة كاملة في ليلة واحدة.
تغيرت ملامحه.
ثم قال
زينب قدمت استقالتها.
متى؟
قبل يومين.
وهل تحدثت معها؟
هز رأسه نافيًا.
أرسلت رسالة إلكترونية فقط.
شعرت
اختفاء.
صمت.
وأوراق رسمية تستخدم لإغلاق الأسئلة.
أخرج خالد بعض المستندات.
وبدأنا مراجعة المراسلات الإدارية الخاصة بالمشروع الذي أبقاني بعيدًا
عن بيتي طوال الشهور الماضية.
كنا نحاول معرفة من صاحب القرارات التي كانت تؤجل عودتي باستمرار، ومن الذي كان يوصي بتمديد المهمات ونقلي بين مواقع