بعد الليلة دي ماقدرتش أرجع زي ما كنت، الجواب بقى عايش جوايا، كل كلمة فيه بتتحرك في دماغي وأنا ماشية في الشارع أو قاعدة في الجامعة أو حتى وأنا بضحك مع إخواتي الصغيرين، حسيت إن في باب اتفتح ومينفعش يتقفل تاني، قعدت أيام كتير أراجع كل تفصيلة فاكرة من الأسبوع اللي قبل وفاة أبويا، كنت صغيرة بس في حاجات رجعتلي فجأة، نبرة صوته وهو بيتكلم في التليفون وواطي صوته أول ما أدخل عليه، مرة شوفته واقف عند الشباك بالليل وباصص في الشارع كأنه مستني حد، ساعتها ما فهمتش، دلوقتي بقيت أربط الحاجات ببعضها، ورغم إن ماما كانت دايمًا بتقولي إن أهم حاجة إننا نعيش ومابنغرقش في الماضي، حسيت إن الماضي نفسه بيناديني، مش عشان أفتح جراح، لكن عشان أفهم، قعدت مع ماما أكتر من مرة نتكلم، في الأول كانت بتتهرب، مش كذب لكن خوف، خوف إنها تزعزع صورة مستقرة بنيتها لي طول سنين، لكن مع الوقت بدأت تحكي، قالتلي إن قبل الحادث بأسبوع أبويا رجع البيت متوتر جدًا، قالها إنه دخل في خلاف مع ناس في الشغل بسبب حاجة مش قانونية طلبوا منه يوافق عليها وهو رفض، قالت إنه كان دايمًا عنيد في الصح، وإنه قالها لو حصل له أي حاجة أهم حاجة تاخدني وتمشي بعيد عن أي دوشة، وإنها فعلًا بعد وفاته غيرت
شوية تفاصيل في حياتنا عشان تبعد عن أي ناس كانت تعرفهم، أنا كنت فاكرة التغييرات دي عشوائية، دلوقتي فهمت إنها كانت بتحاول تقفل دايرة، سألتها ليه ماحاولتيش تعملي تحقيق أو تسألي أكتر، قالتلي إنها كانت ست صغيرة أرملة وعندها طفلة ست سنين وخايفة، وإنها اختارت الأمان حتى لو معناه إنها تسيب أسئلة من غير إجابة، كلامها وجعني شوية بس في نفس الوقت حسسني قد إيه كانت لوحدها، ابتديت أدور بنفسي، مش بدافع الانتقام ولا الشك، لكن بدافع الفضول والحق، رحت طلعت شهادة الوفاة وقرأت التفاصيل، حادث تصادم على طريق سريع، العربية فقدت السيطرة، مفيش طرف تاني مذكور، حسيت إن الورق بارد ومختصر زيادة عن اللزوم، رحت للمكان لأول مرة، وقفت على جنب الطريق وبصيت حواليا، العربيات بتعدي بسرعة والحياة مكملة عادي، سألت نفسي هل فعلاً هنا خلصت حكايته، الغريب إني ماحسّتش بغضب، حسيت بحنين، حنين لشخص كان شايف فيّ العالم كله، رجعت البيت وقررت أعمل حاجة مختلفة، بدل ما أغرق في نظريات واحتمالات، قررت أعيش الوصية اللي بين السطور، أبويا كتب إنه عايزني أبقى قوية وماخافش، وإنه اختار ماما عشان تحميني، معنى ده إن ثقته فيّ وفيها كانت أكبر من أي خوف، ابتديت أقرّب من إخواتي أكتر، بقيت أساعدهم في
مذاكرتهم وأحضر مبارياتهم المدرسية، بقيت أبص لماما مش بس كأم لكن كإنسانة ضحّت بسنين من راحتها عشان أفضل أنا مستقرة، وفي يوم قعدت معاها وقلت لها إني مش زعلانة إنها خبّت الجواب، وإن يمكن لو كنت قريته وأنا أصغر كنت هتكسّر، عيطت وقالتلي إنها كانت مستنية اللحظة اللي أبقى فيها ناضجة كفاية أستوعب، ساعتها حسيت إن في حمل نزل من قلبها، لكن الجزء اللي ماكنتش متوقعة يحصل هو إني لقيت نفسي عايزة أعرف أكتر عن أمي البيولوجية كمان، مش بدافع المقارنة لكن بدافع الاكتمال، دورت على صورها القليلة اللي كانت موجودة، سألت قرايب بعاد عنها، عرفت إنها كانت بتحب الرسم وإنها كانت عنيدة برضه، ابتسمت وقلت يمكن العند ده جايلي من الاتنين، كل ما كنت أكتشف تفصيلة كنت بحس إني ببني نفسي من جديد، مش بهد اللي فات لكن بكمله، وفي وسط الرحلة دي كلها علاقتي بماما بقت أعمق، بقينا نتكلم بصراحة أكتر، نحكي عن خوفنا، عن شعورها بالذنب إنها ماقدرتش تحميني من فقدان أبويا، وعن خوفي إني يوم أفقدها هي كمان، بقينا نقول لبعض الحاجات بدل ما نسيبها معلّقة، وبعد شهور من التفكير قررت أعمل حاجة رمزية، أخدت صورة أبويا والجواب وحطيتهم في برواز واحد كبير في أوضتي، مش عشان أعيش في الماضي لكن عشان أبص
لهم كل يوم وأفتكر إن حياتي بدأت بحب، وإن حتى النهاية كانت مليانة حرص عليّ، وفي يوم عيد ميلادي الواحد وعشرين، ماما جابتلي علبة صغيرة وقالتلي دي كانت عند أبوكي، فتحتها لقيت ساعة قديمة كان دايمًا لابسها، قالتلي إنها احتفظت بيها لليوم اللي أبقى فيه جاهزة، لبستها وحسيت كأن الزمن نفسه بيلف حوالين معصمي، مش عشان يرجعني لورا لكن عشان يربطني بجذوري، دلوقتي لما أبص في المراية ماعدتش بسأل أنا شبه مين، بقيت أشوف ملامح قصة كاملة، أب شجاع وأم رحلت بدري وأم اختارتني بإرادتها، يمكن مش هعرف الحقيقة الكاملة عن اللي حصل قبل الحادث، ويمكن في حاجات هتفضل ناقصة، لكن اللي اتأكدت منه إن الهوية مش لغز لازم نحلّه بالكامل عشان نرتاح، الهوية رحلة بنقبل فيها النور والظل، وأنا اخترت أمشيها من غير خوف، حاملة الجواب في قلبي مش كسر ثقيل لكن كوصية حياة، وصية بتقولي إن الحب الحقيقي ما بيموتش حتى لو الناس بتمشي، وإن أوقات الحقيقة بتيجي في وقتها المناسب، وإن أقوى حاجة ممكن أعملها مش إني أفتش في الألم لكن إني أبني مستقبل يشرّف الاتنين اللي ادوني اسمي وحياتي، ومن ساعتها وأنا كل ما أحس بضعف أرجع أقرأ آخر سطر في الجواب، السطر اللي بيقول أنا فخور بيكي مهما حصل، وأبتسم وأكمل طريقي.