اختفاء موظفة عام 1997 بعد خروجها لتحصيل مستحقاتها
المحتويات
ما تزال قريبة ماذا لو كانت محتجزة في مكان ما هنا تنتظر فرصة نجاة قريبا أو إشارة تنقذها
أما روسيو فلم تتكلم حبست أسئلتها في صدرها وراحت ترسم المشهد ذاته بلا انقطاع هيئة من الخلف ببلوزة بنفسجية تدخل شارعا مسدودا كأن الرسم يعيد اللحظة ويحاصر الخوف كل مرة.
مرت الأشهر بطيئة وثقيلة وتضاءل الحديث عن القضية حتى كاد يختفي. ذكرت مرة واحدة في إذاعة محلية بعدما أصرت جارة على التواصل مع صحفي ثم خبا الصدى سريعا دون متابعة.
لم يحدث شيء بعد ذلك لا اتصال لا شاهد لا تطور. عاد الصمت ليستقر فوق البيت والحي صمت بارد يبتلع الأمل تدريجيا ويترك العائلة معلقة بين الانتظار والإنهاك بلا نهاية.
فرجينيا دي لا توري رئيسة العمل السابقة لم يعثر عليها قط. لم تكن هناك سجلات واضحة لعنوانها الجديد ولم يبد أحد في الدائرة اهتماما جديا بالمتابعة بينما افترض كثيرون أن غوادالوبي رحلت بإرادتها.
كانت تلك العبارات تجرح كالسكاكين. إلفيرا روميرو الجارة الأقرب كررت جملة لم تنسها روسيو نساء مثل أمك لا يختفين عبثا إنما تبتلعهن القسوة. رافقت مريام لتفقد المستشفيات معا.
تفحصتا جثثا بلا أسماء. لم تتطابق أي منها. عام 1999 جدد عقد إيجار المنزل الذي عملت فيه غوادالوبي أخيرا. حاولت مريام تتبع بيانات المستأجر لكن شركة
استمرت الخيوط بالتلاشي داخل المتاهة البيروقراطية. وفي عام 2000 أغلق الملف رسميا دون إخطار العائلة. علموا مصادفة عند طلب نسخة همس أمين الأرشيف القضية غير نشطة منذ مدة.
قيلت العبارة ببرود إداري كأن الحديث عن أوراق منتهية لا عن أم وأخت وامرأة اختفت بلا أثر. كانت مريام قد بلغت الخامسة والعشرين وتركت وظائف عدة لرعاية روسيو وإدواردو المنهك.
في إحدى الليالي الثقيلة دخلت غرفة أمها وفتحت دفترها الشخصي قوائم مشتريات ومواعيد عمل. في الصفحة الأخيرة سطر واحد الكرامة لا تطلب بل تنتزع. عندها تغير شيء بداخلها.
لم تعد العائلة تحتفل بأعياد الميلاد أو المناسبات. وحده الثالث من مارس يعلم سنويا بشموع ودموع وصمت. كانت مريام تضع بلوزة عنابية مشابهة رمزا يقول ما زلت هنا.
خارج البيت صارت غوادالوبي ظلا باهتا داخله غيابا يملأ كل زاوية. لم يتخذوا قرارا دون السؤال ماذا لو عادت أين ستنام ماذا سنقول الأسئلة بقيت بلا إجابة.
مر عقد كامل. شاخت الجدران وتقشر الطلاء. كون إدواردو أسرة صغيرة دون أن يغادر حقا. درست روسيو التمريض. أما مريام فتمسكت بوعدها لن تتوقف عن البحث أبدا.
كان عام 2011 يقترب بإيقاع الاستسلام المعتاد لكن ذلك العام حمل تحولا حاسما. لم تبدأ القصة بعملية بحث
لسنوات ظلت قطعة أرض عند زاوية شارع بيرولس وممر بلا اسم على بعد ستة شوارع من منزل العائلة مكبا عشوائيا للنفايات. مكانا منسيا تتكدس فيه بقايا الأثاث والركام.
في يناير 2011 وبعد شكاوى متكررة من السكان بسبب انتشار الجرذان أرسلت دائرة إزتابالابا فريق عمال لتنظيف الموقع. كانت المهمة مباشرة إزالة النفايات رفع المخلفات وتسوية الأرض تمهيدا لإعادة استخدامها لاحقا.
ضمن الفريق كان أوسكار تيليز 38 عاما وراميرو كاستانييدا 41 عاما عاملين اعتادا العمل وسط الركام. خلال رفع بلاطة خرسانية متشققة وضعت بشكل غير مألوف في منتصف الأرض لاحظا أمرا مريبا.
لم تكن جزءا من رصيف أو أساس قديم بدت في غير موضعها تماما. تمتم راميرو متسائلا عن سبب وجودها هناك. كانت البلاطة تقارب مترا مربعا وتحيط بها آثار رطوبة داكنة غير طبيعية.
بجهد مشترك تمكنا من رفعها. ما ظهر أسفلها لم يكن تربة عادية بل طينا مائلا للاحمرار مشبعا بمياه راكدة ورائحة احتباس خانقة. كان هناك تجويف واضح يختبئ تحت الخرسانة الثقيلة.
داخل الحفرة وتحت ثقل البلاطة لسنوات برز غرضان أنهكهما الزمن. حقيبة بيج فاتح ممزقة وملطخة بالطين الجاف وبجوارها بلوزة نسائية عنابية بأزرار منفصلة وألياف متآكلة لكنها
رغم الاتساخ وبهتان اللون بقيت الدرجة العنابية واضحة. أبلغ أوسكار المشرف فورا. خلال وقت قصير حضرت دورية احترازية طوق المكان بالشريط واستدعيت النيابة العامة لفتح المعاينة الرسمية للموقع.
لساعات فحص الخبراء التجويف بعناية. لم تظهر بقايا عظمية مرئية فقط الغرضان الغارقان في الطين. بدا أن الوحل حفظ جزءا من المواد دون دلائل إضافية مباشرة.
كانت دونيا إلفيرا تمر مصادفة. توقفت عند المشهد وحدقت طويلا قبل أن تسأل بصوت مرتجف أليس هذا ما يخص غوادالوبي ارتدت الكلمات في المكان كصدى قديم ومؤلم.
في ذلك المساء وصل الخبر إلى منزل شارع سيدروس كهمسة ثقيلة لا تصدق. لم يكن اتصالا رسميا بل طرقا مترددا على الباب. جار قال إن الشرطة وجدت شيئا. شيئا قد يعنيهم.
تجمدت مريام لثوان قبل أن تتحرك. أمسكت صورتها القديمة ذات الحواف المهترئة وانطلقت. الطريق القصير بدا أطول من أربعة عشر عاما. كل خطوة أعادت نبضا دفنته الأيام بصعوبة.
عند الشريط الأصفر وقفت تحدق في الأرض التي عبرتها مئات المرات دون أن تشك. نفس الزاوية. نفس الرصيف. نفس الصمت. لكن شيئا انكسر أخيرا تحت الخرسانة.
طلبت رؤية الأغراض. تبادل العناصر نظرات حذرة. ثم أخرجت الحقيبة أولا. بيج فاتح مقبضها متآكل وخيط مميز كانت قد أصلحته بنفسها ذات
لم تبك. لم تتكلم. فقط مدت يدا مرتعشة ولمست الجلد الموحل. الإحساس كان
متابعة القراءة