جاكت امي الرمادي

لمحة نيوز


لي جاكت كشمير جميلا. هو ناعم جدا وغال جدا. قلت لي إنني أحرجك بملابسي القديمة. قلت يا أمي إحنا مش شحاتين. الكلمة كانت كالسوط.
يا حبيبي أنت لا تفهم. هذا الجاكت الكشمير.. لا يحمل رائحة تعبي. لا يحمل ذكريات ليالي الجوع التي نمتها لتأكل أنت. لا يحمل أثر الدموع التي ذرفتها حين كنت مريضا ولم أملك ثمن الدواء.
هذا الجاكت القديم ليس مجرد صوف مهترئ. إنه تاريخنا. إنه الشاهد الوحيد على كل مرة اخترت فيها أن أكون أما قبل أن أكون امرأة. عندما أرتديه لا أشعر بالفقر.. أشعر بالقوة. أشعر بأنني انتصرت على الدنيا لأنني أوصلتك إلى بر الأمان. لبس الكشمير يشعرني بأنني أخون تلك المرأة المقاتلة التي كنتها.
وضعت رأسي بين ركبتي وبكيت بصوت عال نحيبا لم أبكه منذ كنت طفلا. لقد كسرت قلبها في اللحظة التي كانت تظن فيها أنها توجت انتصارها. اعتقدت أنني أمنحها هدية بينما كنت أنتزع منها هويتها. كنت أرى الجاكت رمزا للعار وكانت

تراه تاجا من الشوك والذهب في آن واحد.
بقيت الرسائل الأخيرة. تلك التي كتبت في شهورها الأخيرة.
الظرف رقم ٢٩. قبل وفاتها بشهرين.
بدأت أشعر بالتعب مؤخرا. ألم في صدري لا يهدأ. أعرف هذه الأعراض.. رأيتها في والدتي. لكنني لم أذهب للطبيب. أنت الآن في بداية حياتك المهنية تخطب وتؤسس شقتك. لا أريدك أن تنفق قرشا واحدا على أدوية لا طائل منها. لقد عشت حياتي ومهمتي انتهت. كل قرش وفرته بارتداء هذا الجاكت لثلاثين عاما كان من أجلك وليس من أجل الأطباء.
صرخت في الغرفة الفارغة ليه يا أمي ليه!
كان موتها تضحية أخيرة. حتى في نفسها الأخير كانت توفر من أجلي. شعرت بذنب يكاد يفتك بي. أنا المهندس الناجح لم أستطع إنقاذ أمي لأنها قررت أن توفر ثمن علاجها لي.
وصلت للظرف الأخير. رقم ٣٠.
كان الظرف أثقل من غيره. يدي كانت ترتعش بشدة لدرجة أنني بالكاد استطعت فتحه.
بداخله كانت هناك رسالة قصيرة ودفتر توفير بنكي قديم.
بني.. إذا كنت
تقرأ هذا فأنا قد رحلت. لقد قرأت قصتنا. عرفت الآن لماذا كان هذا الجاكت أغلى ما أملك.
لقد عشت حياتي كلها بخوف.. خوف من أن تحتاج شيئا ولا أستطيع توفيره. هذا الخوف جعلني أخبئ كل قرش.
في هذا الدفتر ستجد حصيلة ثلاثين عاما من الجاكت المقطع. كل زر لم أغيره كل وجبة لم آكلها كل شتاء لم أشتر فيه معطفا جديدا.. تحول إلى أرقام في هذا الدفتر.
فتحت الدفتر. شهقت.
المبلغ كان ضخما. مئات الآلاف. رقم لا يمكن لامرأة تعمل في مصنع وتنظف السلالم أن تجمعه إلا إذا عاشت على الهواء والماء.. وإلا إذا ارتدت نفس الجاكت لثلاثين عاما.
كانت ثروة. ثروة بنيت من الحرمان النقي.
عدت للرسالة لقراءة السطور الأخيرة.. الطلب الأخير.
والآن طلبي الأخير.
لا تشتر لي قبرا فاخرا. ولا تتبرع بالمال لجامع باسمي.
أريدك أن تأخذ هذا المال وتبحث عن امرأة.. أم وحيدة تربي أطفالها وحدها وتلبس جاكت قديما في عز الشتاء لتدفئهم.
أعطها المال. كله.
وقل لها
هذا من امرأة تعرف معنى أن يكون البرد في العظام لكن النار في القلب من أجل أولادها. قل لها أن تشتري لنفسها معطفا جديدا وألا تشعر بالذنب أبدا.
انتهت الرسالة.
نظرت إلى الجاكت الملقى أمامي. لم يعد يبدو قديما أو قبيحا. رأيته للمرة الأولى على حقيقته. كان عباءة قديسة. كل رقعة فيه كانت آية من آيات الحب غير المشروط.
احتضنت الجاكت بقوة ودفنت وجهي في صوفه الخشن أستنشق رائحتها للمرة الأخيرة.
لقد ماتت أمي وهي تظن أنها فقيرة لكنها تركت لي إرثا لا يقدر بمال الدنيا. تركت لي الدرس الأعظم في الحب.
نهضت وأنا أشعر بثقل السنوات يزول عن كاهلي ويحل محله عزم جديد. ارتديت معطفي الكشمير الفاخر وشعرت لأول مرة كم هو بارد مقارنة بدفء تضحيتها.
أخذت دفتر التوفير وخرجت من الشقة. لدي مهمة لأقوم بها. لدي وصية لأنفذها. وهناك في مكان ما في هذه المدينة القاسية أم أخرى تحتاج أن تعرف أنها ليست وحدها وأن جاكتها القديم ليس عارا بل
هو أعظم وسام يمكن أن تحمله.

 

تم نسخ الرابط