سخروا من بيتها المدفون بالأوراق… لكنها كنسَت فوجدت الكنز!

لمحة نيوز

الأرملة الفقيرة قبلت بيتا غارقا تحت جبال من الأوراق اليابسة لكن عندما كنست الأرض
ضحك الجميع بصوت عال حين وافقت فلورا فرنانديز الأرملة المثقلة بالديون على الانتقال إلى منزل في الغابة بدا كأنه مقبرة خريف مهجورة. كانت الملكية بأكملها مدفونة تحت جبال من الأوراق الميتة والطحالب وآثار الإهمال. أبناء إخوة المالكة المترفون أولئك الذين لا يظهرون إلا عندما يشمون رائحة الميراث قالوا لها بابتسامة ازدراء إن الأفضل لها أن تذهب لتعيش مع الجرذان.
فلورا لم تبك.
أمسكت غصنا يابسا وشدت الملفة حول خصرها وبدأت تكنس أرض الغابة كما لو كانت تكنس قدرها.
وحين أزاحت طبقة التعفن السميكة اكتشفت ما لم يرد أحد غيرها أن يراه ذلك الخراب كان يخفي أساسات مثالية لبناء ثروة.
لكن قبل ذلك كان على الحياة أن تكسرها.
ولدت فلورا في قرية صغيرة في خاليسكو من تلك القرى التي يعرف فيها الجميع بعضهم ويتحدث الجميع عن الجميع. كان والدها فلاحا شريفا علمها عبارة حفرت في صدرها
الكرامة لا تورث يا فلوريتا بل تكتسب بالعمل.
كبرت بلا ترف لكن بيدين قويتين وقلب مستقيم. وحين تزوجت رودريغو فرنانديز اعتقدت أنها أخيرا وجدت رجلا يشبه والدها مجتهدا حنونا حالما.
أنجبا ثلاثة أطفال. بيدرو الأكبر وكان في التاسعة بعينين تشبهان عيني رجل متعب. آنا ذات الأعوام الثلاثة كانت فضولا وأسئلة لا تنتهي. ولونا الصغيرة ذات العام الواحد لم تكن تفهم شيئا لكنها كانت تبكي حين تبكي أمها كأن قلبها يعرف قبل الجميع حين

ينهار العالم.
مات رودريغو فجأة. نوبة قلبية خاطفة لم تترك وقتا لوداع أو تفسير.
وترك خلفه ما كان أثقل من الغياب.
ديون للبنك. ديون للجيران. مشروع لم ينجح قط ممول بقروض لم تكن فلورا تعلم بوجودها أصلا. حين بدأت الأوراق والدائنون يتوافدون فهمت فلورا أن زوجها لم يورثها الفقر فحسب بل العار.
في القرى الصغيرة تنتشر الأخبار السيئة بسرعة. كانت النساء يهمسن حين تمر فلورا مع أطفالها في السوق.
ها هي أرملة الفاشل
لا عجب أنه مات صغيرا كان يفسد كل شيء
كانت فلورا تسمع. تمشي مرفوعة الرأس لكن صدرها في الداخل كان كمن يبتلع جمرة. وأكثر ما كان يؤلمها أن ترى بيدرو في المدرسة معزولا موسوما بلقب مثقل بالديون لم يختره.
استولى البنك على البيت. خرجوا بحقيبة وكيس بسيط. ناموا أسبوعين في بيت عمتها كونسويلو التي كانت تطعمهم الفاصولياء بمحبة وبضيق أيضا.
ليس أنني لا أريدكم يا فلورا لكن لدي همومي كذلك.
كانت فلورا تفهم. لكن الفهم لا يمحو إهانة أن تشعر بأنها عبء.
فبحثت عن أي عمل تنظيف طبخ غسل ملابس.
وهكذا وصلت إلى بيت دونيا ريميديوس ألكانتارا.
كانت دونيا ريميديوس في الثانية والسبعين أرملة بلا أبناء. منزل كبير في وسط القرية مليء بالأثاث العتيق وصور أشخاص رحلوا. وحولها كنسور تحلق عائلة بالمصاهرة تنتظر سعلتها الأخيرة لتتقاسم ما لم تعمل من أجله.
حين طرقت فلورا الباب ولونا على صدرها وبيدرو وآنا ممسكان بيديها نظرت إليها دونيا ريميديوس في صمت ولحظة واحدة لان شيء في عينيها.

أحتاج إلى عمل يا سيدتي. أي شيء. أعرف الطبخ والتنظيف والخياطة. لن أخذلك.
ترددت ريميديوس ثواني كأنها تزن العالم.
ثم فتحت الباب.
ادخلي.
منذ ذلك اليوم عملت فلورا كما قلما يعمل أحد. تصل باكرا وتغادر متأخرة وتفعل كل شيء بإتقان. ليس لترضي أحدا بل لأن عبارة والدها كانت ما تزال حية في قلبها الكرامة تكتسب بالعمل.
مع الوقت بين مسح الأرضيات وقهوة الثالثة عصرا والصمت المشترك ولد أمر لم تسع إليه أي منهما لكنه كان ضروريا لكلتيهما صداقة صامتة.
كانت ريميديوس تقول أحيانا حقيقة كأنها تلقي حجرا
إنهم كالذباب يا فلورا. حيث يكون العسل يكونون.
وكانت فلورا تومئ. وأحيانا حين كانت ريميديوس تحدق في صورة قديمة بحزن كانت فلورا تضع يدها على كتفها. بلا كلمات. وذلك كان يكفي.
حتى جاء يوم ثلاثاء من أكتوبر وصار كل شيء عاجلا.
سمعت فلورا صوت ارتطام في الحديقة الخلفية. ركضت. وجدت ريميديوس على الأرض يدها على صدرها ووجهها شاحب.
لا أستطيع التنفس
لم تدخل فلورا في ذعر. لم يكن هناك وقت.
بيدرو! اتصل بالإسعاف! فورا!
جثت بجانب ريميديوس أرخت عقدة قلادتها وهمست في أذنها
لا تتركيني يا سيدتي. ابقي معي. تنفسي معي.
وصلت سيارة الإسعاف بعد اثنتي عشرة دقيقة بدت كاثنتي عشرة سنة. في المستشفى قالوا ما كانت فلورا قد شعرت به لو تأخرت خمس دقائق أخرى لما نجت ريميديوس.
زارتها فلورا كل يوم. كانت تجلب لها حساء في وعاء بلاستيكي وتحدثها بأحاديث بسيطة كي لا تشعر بالوحدة. ظهر أبناء الإخوة بالمصاهرة
كذلك لكن ليس حبا بل حسابا.
بعد أسبوع في البيت استدعت ريميديوس فلورا إلى الصالة.
أريد أن أعطيك شيئا ولا أريدك أن ترفضي.
شعرت فلورا بضيق في صدرها.
سيدتي أنا
دعيني أكمل. لدي عقار. منزل قديم في أطراف البلدة في الجبل. مهجور منذ سنوات. لا أحد يريده لأنهم يقولون إنه بلا قيمة. لكن الأرض جيدة والبيت جدرانه متينة رغم ما يبدو.
توقفت ونظرت إليها بثبات.
أريده لك. لك ولأطفالك. بكل ما فيه.
كاد الهواء يفارق فلورا.
لا أستطيع قبول ذلك
أنت أنقذت حياتي قالت ريميديوس برفق وحزم. وعشت طويلا بما يكفي لأعرف أن حين يرسل الله لك إنسانا كهذا إلى بابك فليس ذلك صدفة.
في تلك الليلة لم تنم فلورا. كانت العبارة تتردد في رأسها وكل ما فيه لك أيضا.
بعد يومين ذهبت لترى البيت.
وحدها.
سلكت الطريق الترابي بين أشجار السلسلة الجبلية قرب مازاميتلا حيث تفوح رائحة الصنوبر والمطر القديم. وحين رأته انقبضت معدتها كان أسوأ مما تخيلت. واجهة مغطاة بالطحالب. نوافذ مكسورة. سقف منهار. والحديقة بحر من الأوراق اليابسة المتراكمة حتى الركبتين.
في الداخل رائحة انغلاق وتراب رطب. آثار فئران. أغصان دخلت من النوافذ المكسورة كأن الغابة انتقلت إلى الداخل.
وقفت فلورا وسط الصالة. تنفست. نظرت إلى الخراب. ثم بدل أن تدير ظهرها وتهرب فعلت أمرا بسيطا وعظيما.
انحنت التقطت غصنا من الأرض.
وبدأت تكنس.
كنست ساعات. أزاحت أغصانا أزاحت طينا أزاحت أوراقا متعفنة. وحين ظهر أخيرا البلاط تحت قدميها توقفت فلورا
في مكانها.
تحت كل ذلك الوسخ كانت هناك ألواح داكنة
 

تم نسخ الرابط