سخروا من بيتها المدفون بالأوراق… لكنها كنسَت فوجدت الكنز!
سميكة متقنة. خشب قديم من النوع الذي لم يعد يصنع لأن أحدا لم يعد يملكه صبرا كهذا ليعمله. خشب فاخر. خشب ثمين.
ثم خرجت إلى الحديقة وأزاحت الأوراق بيديها. كانت التربة تحتها سوداء رطبة سخية. ومع استمرارها في التنظيف اكتشفت شيئا آخر خطا حجريا مدفونا كطريق منسي. تبعته.
وهناك حيث لم يكن أحد ينظر لأن أحدا لا يريد أن يتسخ وجدت الكنز الحقيقي عين ماء صغيرة نبعا مختبئا بين الجذور صافيا كالكريستال باردا وحيويا. منبعا خاصا. صامتا. كاملا.
جلست فلورا على صخرة استمعت إلى خرير الماء وشمت رائحة الغابة بعد المطر وتذكرت والدها
الذهب لا يلمع دائما حين تجديه يا فلوريتا. أحيانا يأتي مغطى بالطين وعليك أنت أن تنظفيه لتري قيمته.
هناك قررت.
لم تكن تعرف كيف. لم يكن لديها مال. لم يكن لديها معارف. لكنها كانت تملك يدين ووقتا وعنادا مباركا.
عادت في اليوم التالي مع بيدرو.
نظر الطفل إلى البيت طويلا.
سنعيش هنا
هنا.
أومأ بجدية طفل عرف العار مبكرا.
إذا يجب أن ننظفه جيدا.
انتقلوا بأقل ما يملكون. كانت الليلة الأولى قاسية كرتون في النوافذ أغطية قديمة صرير الغابة آنا تستيقظ خائفة لونا تبكي. فلورا لم تنم تقريبا لا خوفا بل لأن عقلها كان يبني.
في العالم الخارجي كان أهل المدن يدفعون أموالا طائلة مقابل ما كان هناك فائضا صمت هواء نقي أشجار سماء وقت.
بدأت فلورا بالأساسيات. صنفرت الألواح ودهنتها بالورنيش. بيضت
بعد ستة أسابيع كانت الغرفة الأولى جاهزة سرير ريفي أغطية صوفية شمعة نبتة ونافذة واسعة تطل على الغابة.
ساعدها بيدرو في إنشاء صفحة على الإنترنت. تعلمت آنا أسماء الزهور. كبرت لونا ورائحة الصنوبر في شعرها.
جاءت أولى الحجوزات.
أول زوجين قدما من غوادالاخارا. نزلا من السيارة استمعا إلى الصمت دقيقة كاملة ثم قال الرجل بهدوء
متى كانت آخر مرة تنفسنا فيها هكذا
استقبلتهم فلورا بشراب دافئ من الجوافة وخبز الذرة. غادروا يوم الأحد واعدين بالعودة وعادوا. مع أصدقاء. ثم مع آخرين.
بعد ثلاثة أشهر كانت عطلات نهاية الأسبوع محجوزة بالكامل.
وحينها ظهر أبناء الإخوة.
وصلوا بسيارة سوداء كأنهم يريدون إخافة الغابة.
كان المتحدث يدعى غوستافو ريفاس في الأربعين سلسلة ذهبية نظرة من يظن أن العالم يشترى.
إذا هنا اختبأت قال دون تحية. جئنا لنقول إن ما فعلته العمة ريميديوس لا قيمة له. هذه الملكية للعائلة.
مسحت فلورا يديها في المئزر.
مع كامل الاحترام هذا ليس ما تقوله أوراق المحامي فوينتس.
تغير وجهه عند سماع الاسم.
اسمعي يا أرملة إما أن تغادري بهدوء أو نغرقك في المحكمة. سنقول إنك تلاعبت بعجوز مريضة.
تنفست فلورا ببطء.
أفضل أن تغادروا ملكيتي.
ضحك غوستافو.
ملكيتك سنرى.
غادروا يثيرون الغبار. وبقيت فلورا
في تلك الليلة كتبت إلى المحامي فوينتس. أجاب سريعا
لا تقلقي. الهبة موثقة تماما. إنهم يحاولون إخافتك.
لكن غوستافو لم يكتف بالترهيب.
ليلة ما استيقظ بيدرو ليشرب ماء فرأى ضوء مصباح يتحرك في الحديقة قرب المخزن.
أمي هناك أحد في الخارج.
نهضت فلورا دون إضاءة الأنوار. أمسكت الهاتف. اتصلت بالمحامي وفتحت تطبيقا كاميرا رخيصة نصحها دون براوليو صاحب المنشرة بتركيبها.
على الشاشة رأت رجلين يحاولان كسر القفل.
سجلت.
بعد خمس وعشرين دقيقة وصلت الدورية. ألقي القبض عليهما والأدوات بأيديهما. لم يكونا وحوشا بل أناسا دفع لهم لارتكاب دناءة.
خرجت فلورا إلى الباب وقلبها يخفق بقوة. نظر أحد الضباط إلى بيدرو.
عمل ممتاز يا فتى.
لم ينم أحد تلك الليلة. لكن الخوف انكسر داخل فلورا وتحول إلى شيء آخر عزيمة.
في اليوم التالي اتصل المحامي غوستافو شخصيا.
هناك تسجيل. وهو الآن لدى السلطات. وإن حاولت الترهيب مجددا فسيصبح الأمر قضية جنائية.
ابتلع غوستافو كبرياءه وأغلق الخط بحقد.
ما لم يكن يعلمه هو أن دونيا ريميديوس فعلت أمرا آخر حدثت وصيتها وأنشأت صندوقا ائتمانيا لتعليم الأطفال. وحين أخبر المحامي فلورا سألت فقط
هل تعلم دونيا ريميديوس أنك تخبرني
طلبت أن يكون الوقت مناسبا.
ذهبت فلورا لرؤيتها. كانت ريميديوس في مقعدها تشرب الشاي.
لماذا سألت فلورا دون التفاف.
ابتسمت ريميديوس بسلام.
لأنني
حاول أبناء الإخوة رفع دعوى بدعوى فقدان الأهلية العقلية. منحهم القاضي ثلاثين يوما لإثبات ذلك. لم يستطيعوا. ثلاثة أطباء شهدوا بسلامة عقل ريميديوس. رفضت الدعوى. دفعوا المصاريف. خسروا.
فلورا لم تذهب إلى المحكمة. كان لديها نزلاء في عطلة نهاية الأسبوع.
واستمر النزل في النمو.
سنة بعد سنة صارت الغابة وطنا والوطن مشروعا. درس بيدرو هندسة الغابات. درست آنا العمارة وصممت أكواخا تحترم الضوء والأشجار. درست لونا الإدارة وحدثت المكان دون أن تسلبه روحه.
عاشت دونيا ريميديوس لترى كل ذلك. ماتت وكتاب مفتوح بين يديها وسكينة تشبه الامتنان. في جنازتها وقفت فلورا دقيقة وحدها قرب النعش وهمست
شكرا على الثقة. على تعليمي أن أفضل الهدايا أحيانا تأتي ملفوفة بأوراق يابسة.
اليوم يضم نزل فلورا أكواخا وحديقة حائزة على جوائز وقائمة انتظار وزوارا من أنحاء المكسيك. ومع ذلك ما زالت تستيقظ قبل الفجر.
لا حاجة بل وفاء للذاكرة.
تخرج بملفتها إلى الحديقة حين يملأ الضباب الغابة وتكنس الأوراق بهدوء كما في اليوم الأول.
وحين يسألها صحفي عن سر ثرائها تشير إلى الأشجار وتقول
لم يكن هناك سر. كان هناك بيت لا يريده أحد وأيد مستعدة للعمل. والباقي جاء بعد ذلك.
وفي صوتها ما هو أكبر من المال يقين بأن الحياة تمنحك أحيانا شيئا قبيحا مكسورا منسيا