زوجته تركته أعمى في الغابة ليموت… لكن ما فعله الذئب صدم القرية كلها!
في قريةٍ صغيرة من ولاية أواكساكا، حيث تعبق الأمسيات برائحة الحطب ويلتصق غبار الطريق بالأحذية، كان يعيش ميغيل سالغادو.
قبل أن يحلّ الظلام، كان ميغيل قويًا. حطّابًا. رجلًا ذا يدين قاسيتين وضحكةٍ عريضة. كانت فأسه تهوي بثباتٍ على الجذوع، وصوته يملأ ساحة القرية أيام الأحد. لم يكن ثريًا، لكنه كان محترمًا، وذلك كان بالنسبة إليه كافيًا.
إلى أن جاء المرض.
في البداية ضبابٌ خفيف.
ثم ظلال.
ثم لا شيء.
كان الطبيب في العاصمة واضحًا: لن يعود إليه بصره.
لم يكن الأسوأ أن يفقد الرؤية، بل أن يشعر أن العالم استمرّ في السير… من دونه.
زوجته، غلوريا، كانت في البداية صبورة. تصف له الغروب، ترتّب له طبقه، وتقول: “أنا هنا معك.”
لكن الشهور صارت سنوات.
لم تعد أكوام الحطب تتراكم في الفناء. بدأ المال يقلّ. وشيءٌ آخر أخذ يتكسّر: الحنان.
لم يكن ميغيل بحاجةٍ إلى عينين ليفهم ذلك. كان يسمعه في الزفرات الطويلة، في الخطوات المتعجلة، في صمت الفراش ليلًا.
— لا تستطيع حتى أن تصبّ لنفسك كأس ماء — قالت له ذات يوم.
لم تصرخ.
ولهذا
ابتلع ميغيل ريقه، وصار الكبرياء حجرًا في صدره. كان يعلم أنه يعتمد عليها، وأنه صار عبئًا.
لكن شيئًا أن تعرف ذلك…
وشيئًا آخر أن تشعر به كل يوم.
إلى أن جاء ذلك الصباح من شهر أكتوبر.
كان الهواء باردًا، والسماء — كما أخبروه لاحقًا — رمادية.
— لنذهب إلى الغابة — قالت غلوريا — أنت بحاجةٍ إلى بعض الهواء.
منذ أشهر لم تقترح عليه شيئًا. فأشعل ذلك في قلبه أملًا أخرق، طفوليًا تقريبًا.
سارا في الطريق الترابي. كانت خشخشة الأوراق مألوفة له، وكذلك رائحة الصنوبر. لكنهما تابعا التقدّم، أبعد من المعتاد.
صار الأرض أكثر وعورة، والصمت أكثر كثافة.
— هل ابتعدنا كثيرًا؟ — سأل ميغيل.
— قليلًا بعد.
بلا دفء.
وأخيرًا توقّفا.
— اجلس هنا. سأجلب لك ماءً من الجدول.
أطاعها.
سمع خطواتها تبتعد.
انتظر.
هبّت الريح بين الأغصان.
— غلوريا…
صمت.
— غلوريا!
لا شيء.
حينها فهم.
لا بعينيه.
بل بروحه.
لن تعود.
تسلّق الخوف ظهره. نهض مرتبكًا، يلوّح بعصاه في كل اتجاه.
لكن بالنسبة لرجلٍ أعمى، الغابة لا نهاية لها.
عاد إلى الجذع وجلس. ترك نفسه يسقط عليه.
بدأ البرد يتسلّل إلى عظامه.
فكّر في بيته.
فكّر في السرير الذي لم يعد له.
فكّر أن أحدًا لن يبحث عنه.
“لعلّها محقّة”، فكّر.
“لعلّني لم أعد أنفع لشيء.”
مات النهار. تغيّر نفس الغابة. صمتت الطيور.
وجاء الليل.
عند منتصف الليل، بينما كانت أجراس الكنيسة تُقرع بعيدًا، سمع شيئًا آخر.
أغصانًا تتكسّر.
تنفّسًا عميقًا.
خطواتٍ ثقيلة.
لم تكن بشرية.
وصلت الرائحة أولًا: رائحة برية، رطبة، قديمة.
ذئب.
شدّ ميغيل قبضته على العصا. كانت الغريزة تصرخ فيه أن يهرب.
لكن إلى أين؟
أغمض عينيه — رغم أنه لا يرى — وهمس:
— إن كانت هذه نهايتي… فلتكن سريعة.
اقترب الحيوان.
شمّه.
وبدل الأنياب، شعر بأنفٍ دافئة تلامس يده.
لم يتحرّك ميغيل.
أدار كفّه ببطء، ولمس الخطم. فراءٌ كثيف، حرارةٌ حيّة.
لم يزمجر الذئب.
جلس إلى جواره.
في تلك الليلة المتجمّدة، كان ذلك الدفء أقوى من أي كلمة.
— هل أنت أيضًا وحيد؟ — همس ميغيل.
وبدأ يتكلم.
حدثه عن الأشجار التي لم يعد يستطيع رؤيتها وهي تسقط، عن
— لم يكن الأسوأ أن أفقد بصري… — اعترف بصوتٍ مكسور —
الأسوأ أن أشعر أن لا أحد يحتاجني بعد الآن.
انسابت الدموع.
— ظننت أنني لم أعد أساوي شيئًا… أنني مجرد عبء.
لكنّك… أنت لا تراني كذلك.
ظلّ الذئب بجانبه.
وعندما رقّ ضوء الفجر الهواء، نهض الحيوان، ودفع ميغيل بأنفه، ثم جذب بلطف طرف سترته.
— أتريدني أن أتبعك؟ — سأل ميغيل.
استدار الذئب…
وبدأ يسير نحو عمق الغابة.
أدرك ميغيل أنه لن تكون هناك إشارة ثانية.
تقدّم الحيوان بضع خطوات… ثم عاد.
شعر ميغيل بعودته. لم يره، لكنه أحسّ بها.
لم تكن العودة صدفة. كانت دعوة.
نهض بصعوبة. كانت ساقاه ترتجفان. كان يشعر بالبرد والخوف، لكن شيئًا داخله — شيءٌ ظنّه مات — اشتعل من جديد.
إيمان.
أمسك العصا بيد، وبالأمل في صدره، وبدأ يسير خلف الذئب.
كان الطريق قاسيًا.
تعثر بجذورٍ خفية.
سقط على حجارةٍ رطبة.
خدشت الأرض الباردة كفيه.
أكثر من مرة فكّر في الاستسلام.
“لعلني لا ينبغي أن أثق…”
“لعلني أسير
لكن كلما تردّد، عاد الذئب. لامس ساقه. انتظر. لم يدفعه، لم يجرّه، بل كان هناك فقط.
وكان ذلك كافيًا.
سارا ساعاتٍ بدت كعمرٍ كامل.
حتى سمع ميغيل فجأة ما جعل صدره ينفجر.