مزارعٌ عثر على أمّ ورضيعتها تحتضران على الطريق… ثم حدث ما لم يتوقعه أحد
مزارعٌ وحيد رأى أمًّا وطفلها متروكَين على الطريق طوال سبعة أيام ففعل هذا
كنتُ عائدًا من الحقل بينما كانت الشمس ما تزال تثقل على السهول، كأنها تريد أن تُلصق الحرّ بالجلد حتى حلول الليل. كان حصاني ريلامباغو يسير ببطء على الطريق الترابي، بتلك الخطوة المُتعَبة لحيوانٍ يعرف كل حجر، وكل منعطف، وكل سياجٍ مُرقَّع. لم أكن أوجّهه تقريبًا؛ لم يكن هناك داعٍ. فقد قضينا سنوات نسلك الطريق نفسه بين المراعي، والمشارب، والأسلاك المقطوعة.
كانت المزرعة تبعد نحو عشرين دقيقة من هناك، عبر دربٍ قديم يتلوّى بين تلالٍ جافة في شمال المكسيك. كانت أرض أبي، ومن قبله جدّي. أرضٌ صالحة للماشية، قاسية على الروح. منذ أن ماتت إيلينا قبل ثلاث سنوات، لم يعد ذلك المكان بيتًا. صار مكانًا أنام فيه، آكل فيه شيئًا باردًا، وأعمل حتى يوجع الجسد بما يكفي لأتوقف عن التفكير.
في ذلك المساء، جعلني شيءٌ ما أتوقف.
لم يكن صراخًا. ولم تكن حركة. كان إحساسًا غريبًا، شدًّا في الصدر، كأن الجسد يكتشف شيئًا قبل العينين. إلى جانب الطريق، قرب جزءٍ قديم من السياج، كانت هناك بقعة داكنة لا تنسجم مع المشهد. في البداية ظننتها قمامة، كيس علفٍ ممزقًا ربما. لكنني واصلت النظر، وشعرت ببرودةٍ تتسلّق ظهري رغم الحرّ.
شدَدتُ اللجام.
اهدأ، يا ريلامباغو.
نزلتُ عن الحصان وتقدّمت فوق الأرض القاسية. كل خطوة كانت تضيق صدري أكثر. وحين اقتربت بما يكفي، صدمتني الحقيقة بقوة لكمة.
كانت امرأة.
كانت ملقاة إلى جانب أعمدة السياج المعوجّة، على جانبها، وثوبها ملتصق بجسدها من العرق والغبار. شفتاها متشققتان، بشرتها محترقة من الشمس، ساقاها مغطّاتان بالخدوش، وقدماها حافيتان، متّسختان حتى بدتا كأنهما من طين. كانت الذباب يطنّ حول وجهها،
جثوتُ إلى جانبها.
سيدتي هل تسمعينني؟
لم تُجب. فقط ارتجاف خفيف في الجفنين.
ثم رأيت السلة.
كانت نصف مخفية في ظلّ السياج، قديمة، مكسورة من أحد جوانبها، ومغطّاة بقطعة قماش متّسخة. زحفتُ إليها على ركبتيّ ويديّ ترتجفان. وما إن رفعتُ القماش حتى شعرتُ أن روحي تنشطر.
كانت هناك رضيعة في الداخل.
لم تكن تبكي. لم تعد تملك القوة لذلك. كانت تُطلق أنينًا خافتًا، أجشّ، يائسًا، كأنه آخر خيطٍ من حياة شخصٍ نادى طويلًا ولم يُجبه أحد. فمها جاف، بشرتها شاحبة، وثيابها قاسية من الأوساخ. وكان في الهواء رائحة حامضة من لبنٍ جاف وعرقٍ وإهمال.
نظرتُ حولي. لم تكن هناك دار قريبة. ولا سيارة متوقفة. ولا آثار أقدام حديثة تفسّر شيئًا. فقط الطريق الخالي، والسياج القديم، وذلك الصمت الهائل للريف.
وفهمت.
لم يكونا هناك منذ ساعات.
كانا هناك منذ أيام ربما منذ أسبوع.
كانت ضربة الغضب قوية إلى حد أنني أغمضت عيني. شعرتُ بغيظٍ أعمى تجاه من تركهما، تجاه العالم كله، وتجاه نفسي لأنني لم أمرّ من هذا المكان قبل ذلك. لمستُ كتف المرأة مرة أخرى، هذه المرة بحزم أكبر.
اسمعيني انظري إليّ. لستِ وحدك الآن.
فتحت عينيها قليلاً، ونظرت إليّ كمن لم يعد ينتظر شيئًا من أحد. لم يكن في نظرتها رجاء، بل استسلام. كانت نظرة من فقد الإيمان بأن أحدًا سيأتي.
أخرجتُ القِربة من على الحصان وعدتُ مسرعًا. بللتُ شفتيها أولًا، ثم أسقطتُ قطراتٍ في فمها. في البداية لم تستجب، لكنني شعرت بعدها أنها تحاول الشرب. أعطيتها خيطًا يسيرًا من الماء. وحين استطاعت أن تبتلع، تمتمت بصوتٍ يكاد لا يُسمع
الطفلة أنقِذ الطفلة
ذهبتُ إلى السلة، وحملتُ الرضيعة بعناية لم أكن أعلم أنني
ومع ذلك، عرفت أنني لا أملك خيارًا.
حملتهما كما استطعت. وضعتُ المرأة أمامي على السرج، ساكنة، مسنودة إلى صدري. ولففتُ الرضيعة جيدًا بالقماش وربطتها بجسدي بقطعة قماش قديمة كانت في الأمتعة. نفخ ريلامباغو حين شعر بالثقل، لكنه بدأ يسير بنُبلٍ لن أنساه ما حييت.
كان طريق العودة عذابًا.
كانت المرأة تنزلق عني مع كل خطوة. وكانت الطفلة تتنفس ببطء شديد حتى إنني ظننت أكثر من مرة أنها فارقت الحياة بين ذراعيّ. غابت الشمس، وتبدّل الهواء فجأة من حرّ خانق إلى بردٍ جاف ليلي. وحين لمحتُ أخيرًا ضوء الشرفة الأصفر في البعيد، شعرتُ براحةٍ جارفة كادت تُسقطني في مكاني.
أدخلتهما إلى البيت بصعوبة.
كانت غرفة الضيوف مغلقة منذ سنوات، لكنها ما زالت تحتفظ بسريرٍ سليم وملاءات نظيفة في خزانة. أضجعتُ المرأة هناك، ونظفتُ وجهها بماءٍ بارد، وتركتُ كوبًا إلى جانبها. أما الرضيعة فصنعتُ لها سريرًا صغيرًا في صندوقٍ خشبي قرب موقد المطبخ، حيث يمكن للحرارة أن تُبقي جسدها دافئًا.
لم يكن لدي حليب مُخصّص، ولا زجاجة رضاعة، ولا أي فكرة عن كيفية العناية بطفلة. كل ما وجدته كان علبة قديمة من الحليب المجفف في آخر المخزن. أعددتُ مزيجًا بماءٍ فاتر، وباستخدام قطعة قماش نظيفة، جعلتُ الطفلة تمصّ ببطء. رضعت بيأسٍ جعلني أضغط على أسناني. وحين نامت أخيرًا، صغيرة إلى حد أنها تكاد تتسع في ساعديّ، جلستُ أحدّق فيها طويلًا.
لم أكن أعرف اسميهما. لم أكن أعرف قصتهما. لكنني منذ تلك اللحظة، أدركت أن على أي شخصٍ
تلك الليلة لم أنم.
أغلقتُ الأبواب بإحكام، وفحصتُ بندقية أبي القديمة، وأخرجتُ مسدسًا منسيًا من الخزانة، وجلستُ على كرسي قرب المدخل. في الخارج، كان الريح يضرب الأغصان ويُصدر صريرًا في السقف. كل صوتٍ بدا إنذارًا، وكل ظلّ تهديدًا.
قبل الفجر بقليل، بكت الطفلة. ذهبتُ إليها. كانت عيناها مفتوحتين. أعطيتها المزيد من الحليب بالقماش، ولأول مرة بدا تنفّسها أقل صعوبة. وعندما أشرقت الشمس، ذهبتُ لأتفقد المرأة.
كانت مستيقظة.
جالسة على السرير، ضعيفة، مرتجفة، لكنها مستيقظة.
قدّمتُ لها ماءً، ثم قليلًا من شرابٍ خفيف. شربت بصمت. وحين أخبرتها أن الطفلة حيّة، وأنها أكلت ونامت، امتلأت عيناها بالدموع، ووضعت يدها على فمها لتكتم صرخة ارتياح.
ما اسمكِ؟ سألت.
ترددت قليلًا.
اسمي لوسيا.
واسم الطفلة؟
إسبيرانثا.
كان الاسم غريبًا عليّ بطريقةٍ ما، لأنه كان تحديدًا ما افتقدته منذ زمن طويل.
لم أضغط عليها في البداية. لكن عند الظهيرة، حين بدا لون وجهها أفضل واستطاعت حمل الطفلة، سألت السؤال الذي لا مفرّ منه.
من فعل بكما هذا؟
تجمّدت. عاد الخوف إلى عينيها بعنف. احتاجت دقائق قبل أن تتكلم.
زوجي همست.
خرجت القصة على دفعات، بين صمتٍ وبكاءٍ وخجل. اسمه راميرو. كان يضربها منذ ما قبل الزواج. غيور، سكير، متسلّط. وعندما وُلدت الطفلة، بدأ يقول إنها ليست ابنته ازداد العنف. قبل أسبوعين، وهو مخمور، أخذ الطفلة من مهدها. فهربت لوسيا بها، محاولة الوصول إلى بيت أمها. لكنه لحق بها، وسحبها إلى شاحنته، وقاد لساعات. ثم تركهما عند جانب سياجي، بسلةٍ قديمة، بلا ماء ولا طعام.
قال إن الله إن أراد إنقاذنا سيفعل قالت بصوت مكسور لكنه سيعود بعد سبعة أيام ليتأكد أننا متنا.
ومتى
رفعت لوسيا عينيها نحوي ببطء،