مزارعٌ عثر على أمّ ورضيعتها تحتضران على الطريق… ثم حدث ما لم يتوقعه أحد
وكان وجهها قد اكتسى ذلك الشحوب الذي لا يُشبه المرض وحده، بل يُشبه الرعب حين يسكن الجسد طويلًا حتى يصير جزءًا من ملامحه. بقيت صامتة لثوانٍ، كأنها لا تريد أن تنطق بالإجابة، لا لأن السؤال غامض، بل لأن الجواب نفسه كان يحمل في طياته ما يكفي من الخطر ليجعل الكلمات ثقيلة على اللسان. ثم همست، بصوت متقطع خافت
أمس.
وما إن خرجت الكلمة من فمها حتى شعرتُ بأن الدم في عروقي قد برد فجأة. لم يكن ذلك مجرد خوفٍ عابر، بل ذلك الإدراك الخاطف الذي يضرب الإنسان دفعة واحدة، فيفهم في لحظةٍ واحدة ما لم يكن قد أراد أن يفكر فيه من قبل. إذا كانت الأيام السبعة قد انتهت بالأمس، فهذا يعني أن الرجل لا بد أنه عاد، أو أنه كان سيعود في أي لحظة. ويعني أيضًا أنه، إن وقف في المكان الذي تركهما فيه، فلن يجد سوى التراب الخالي وآثارًا تخبره بأن يدًا أخرى امتدت قبله، وانتشلت ضحيتيه من الموت.
وقفتُ لحظةً أحدّق فيها من غير أن أتكلم. كانت إسبيرانثا نائمة في حضنها، أو شبه نائمة، وقد استسلم جسدها الصغير أخيرًا لشيءٍ من الراحة بعد ذلك الجوع والعطش والإنهاك. أما لوسيا، فكانت تضمها بقوةٍ لا تخطئها العين، كما لو أن ذراعيها صارتا الحصن الأخير في العالم، وكأنها تعرف أن الخطر لم ينتهِ، بل بدأ للتو.
نظرتُ نحو الباب، ثم نحو النوافذ، ثم إلى الجدران التي أعرفها منذ أعوام. كان ذلك البيت قديمًا، متماسكًا بقدر ما تسمح به السنون، لكنه لم يُبنَ ليصدَّ رجالًا مسلحين أو يردَّ عنفًا آتيًا بنيّة القتل. كان بيتًا للعيش، لا للحصار. لكن في تلك اللحظة لم يعد عندي ترف التفكير فيما إذا كان يصلح أو لا يصلح. صار عليّ فقط أن أجعله يصمد بما أستطيع.
قلت بصوت منخفض، لكنه حاسم
سيأتي.
لم تسأل من؟ ولم تقل هل أنت متأكد؟ فقط انخفض بصرها إلى الطفلة، ثم عادت عيناها إليّ، وكان فيهما ذلك الذعر الصامت الذي لا يبالغ ولا ينكر، بل يعرف الحقيقة ويخافها في آنٍ واحد.
قلت بعدها
وإن جاء فلن يأخذكما.
لم أرفع صوتي، ولم أقلها بطابع بطولي، بل خرجت منّي جملةً واضحة بسيطة، كأنها حقيقة تفرض نفسها. وحين سمعتها أنا من فمي، أدركت أنني لم أعد أتحدث عن امرأة وطفلة أنقذتهما منذ ساعات، بل عن مسؤوليةٍ دخلت بيتي، وعن حياةٍ ضعيفةٍ أصبحت معلّقةً بوقوفي على قدميّ.
قضيت بقية النهار أُحصّن المنزل.
بدأت بالنوافذ أولًا. كانت في البيت أربع نوافذ رئيسية، اثنتان في الواجهة، وواحدة جانبية، وواحدة خلفية تطل على مساحةٍ منخفضة قرب الحظيرة. ذهبت إلى المخزن، وأخرجت ألواحًا خشبية كنت قد احتفظت بها منذ شتاءٍ مضى حين كسرت الرياح بعض الإطارات. حملتها إلى الداخل، وبدأت أثبتها بالمسامير الثقيلة. كانت المطرقة تهوي على الخشب بإيقاعٍ صارم، وكانت كل ضربة تبدو كأنها تعلن أن البيت يدخل طورًا جديدًا لم يعد مكانًا للنوم والعمل فقط، بل صار حصنًا مؤقتًا في وجه ما قد يأتي.
كنت أتحرك من نافذة إلى أخرى، أقيس الفراغ بعيني، أضع اللوح، أثبته، أجذبه لأتأكد من صلابته، ثم أنتقل إلى غيره. لم يكن لديّ وقتٌ كافٍ لأفعل كل شيء بإتقان، لكنني كنت أفعل كل ما أستطيع بجدية رجل يعرف أن أي تفصيل صغير قد يصنع فارقًا إذا ساءت الأمور.
بعد ذلك، انتقلت إلى الأبواب. كان الباب الرئيسي متينًا نسبيًا، لكن مفصلاته قديمة. وضعت خلفه خزانة قصيرة ثقيلة، ودفعت إلى جانبه طاولة سميكة من خشب البلوط، لتُصبح عائقًا إن حاول
ثم جاءت الأسلحة.
لم أكن رجلًا يبحث عن المشكلات، ولا ممن يعيشون وأيديهم على البنادق، لكن الريف له منطقه القاسي، ومن عاش فيه طويلاً تعلّم أن الاحتياط ليس شجاعة ولا جبنًا، بل ضرورة. أخرجت بندقية أبي القديمة من مكانها، وجلست أنظفها بعناية. مررتُ قطعة القماش داخل الماسورة مرارًا، وتفقدت الزناد، وراجعت الخراطيش. ثم أحضرت المسدس الذي لم ألمسه منذ سنوات، وفحصته بعين رجلٍ لم يعد ينظر إليه كقطعة معدنية مخزونة، بل كشيء قد يفصل بين الحياة والموت بعد ساعات.
كانت لوسيا تحاول أن تساعدني. في البداية قلت لها أن ترتاح، فهي بالكاد استعادت قدرتها على الوقوف. لكنها أصرت، لا بالكلام الكثير، بل بتلك النظرة العنيدة الهادئة التي تقول إن الإنسان إذا حُرم من كل شيء، فإنه يتشبث على الأقل بحقه في ألّا يكون عبئًا. فتركتها تساعدني بما تستطيع تُمسك المصباح، تُناولني المسامير، تطوي بعض الأقمشة، تراقب إسبيرانثا بين حين وآخر. كنت أرى الوهن في حركتها، والارتجاف الخفيف في أصابعها، لكنني كنت أرى أيضًا شيئًا آخر عزمًا يرفض أن ينكسر مرةً أخرى.
أما إسبيرانثا، فقد بدأت تستجيب شيئًا فشيئًا لما قدّمناه لها من دفء وطعام ورعاية. لم تعد تتنفس بذلك البطء المرعب الذي رأيته أول مرة، وصارت تفتح عينيها أحيانًا، وتنظر حولها كما لو أنها تحاول أن تفهم هذا العالم الذي عاد يمنحها فرصةً أخرى. في وجهها الصغير شيء من الهدوء، شيء من البراءة التي لم تفهم بعد أنها نجت من موتٍ كان يقترب منها ببطء.
مع اقتراب المساء، بدت المزرعة كلها كأنها دخلت صمتًا مختلفًا عن كل مساءٍ سابق. الضوء الذهبي الذي كان ينسكب على الحقول ويمنحها جمالًا ريفيًا مألوفًا، بدا تلك الليلة كأنه ضوءُ ترقّبٍ أخير قبل أن يبتلع الظلام كل شيء. الهواء صار أكثر برودة، والريح أخذت تمرّ بين الأخشاب القديمة بصوتٍ خافت كأنه همسٌ طويل.
أعددت قليلًا من الطعام، لكن أحدًا لم يأكل إلا لقيمات معدودة. لوسيا شربت بعض الماء، وأطعمت ابنتها، ثم جلست قربها تحدّق فيها طويلًا. أما أنا، فكنت أتنقّل بين الباب والنافذة والطاولة التي وضعتُ عليها الذخيرة، وكأن الحركة وحدها تمنع الأفكار من أن تخنقني.
عند حلول الليل، كان كل شيء جاهزًا قدر الإمكان.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ثم قلت
اذهبي إلى الغرفة الخلفية.
رفعت لوسيا رأسها. كانت تعرف لماذا أقول ذلك، ومع ذلك لم تُظهر رغبةً في الطاعة السريعة. بقيت لحظةً صامتة، ثم سألت بنبرةٍ خافتة
وأنت؟
سأبقى هنا.
هزّت رأسها ببطء، كأنها تريد أن تعترض، لكنها تعرف أن الكلام لن يغيّر شيئًا. حملت إسبيرانثا، التي كانت قد غفت مجددًا، ومضت نحو الغرفة الأخيرة في الممر. تبعتها حتى الباب.
وقفتُ أمامها وقلت بوضوح
مهما سمعتِ، لا تفتحي. لا إذا صرخوا، ولا إذا كسروا شيئًا، ولا إذا سمعتِني أنا نفسي أصرخ. لا تفتحي حتى آتي أنا.
نظرت إليّ بعينين واسعتين، ثم شدّت الطفلة إلى صدرها، وأومأت.
دخلت الغرفة وأغلقت الباب.
عدتُ أنا إلى الصالة، وجلست في العتمة، والبندقية فوق ساقي.
مرّت الدقائق بطيئة إلى حد الاختناق. في مثل هذه اللحظات، يفقد الزمن معناه الطبيعي.