اكتشفتُ أن المرأة التي كنتُ أنظف منزلها مقابل 200 دينار… هي أمي الحقيقية
سرطان؟
أومأت أمي.
لم تكن تريد أن تعتني بها بدافع الواجب، ولا بسبب الميراث، ولا بدافع الشفقة.
تذكرت الحاجة كريمة وهي تتظاهر بالقسوة بينما أعدّ لها الشوفان.
تذكرت سؤالها عن الجنازة.
لم توظفني لتختبر قلبي فقط.
وظفتني لتمنح نفسها، قبل الموت، أشهرًا قليلة من الأمومة.
أمسكت أمي
بيدي.
سامحيني.
قلت
لا أعرف كيف.
لا أطلبه اليوم.
تركتِني أنظف بيت أمي مقابل مئتي دينار.
غطت أمي وجهها.
وكل يوم خميس كنت أموت من الخجل.
لكن ليس بما يكفي لتخبريني.
تركتنا تلك الحقيقة في صمت.
وفي النهاية احتضنتها.
ليس لأنها نالت الغفران.
بل لأنها المرأة التي ربّتني، ولأنني في تلك الليلة كنت قد خسرت أمهات كثيرات.
كانت الشهور التالية مليئة بالمحامين، وتحاليل الحمض النووي، والجلسات، والصحفيين الذين أرادوا تحويل وجعي إلى قصة إنسانية.
أكد التحليل ما كان جسدي يعرفه بالفعل.
الحاجة كريمة كانت أمي.
وجلال مراد كان أبي.
أما لؤي مراد، الرجل الذي سجلني باسمه، فقد مات قبل ثلاث سنوات في مدينة بعيدة دون أن يعترف بشيء.
حوسب إخوة
حاولت سمر أن تطلب مني السماح أثناء نقلها.
لم نكن نعرف أنك ستتألمين إلى هذا الحد.
نظرت إليها.
أخذتم أمي مني.
خفضت رأسها.
ونحن أيضًا فقدناها.
قلت
لا. أنتم امتلكتموها وأهدرتموها.
بعت العقار البعيد لأدفع علاج أمي التي ربّتني، ولأفتح مؤسسة صغيرة للنساء العاملات في الرعاية والتنظيف.
ليس لأنني قديسة.
بل لأنني أعرف معنى أن تنظف بيوت الناس وأنت جائعة وخائفة من أن يفتش أحد حقيبتك.
لم أبع بيت جبل اللويبدة.
دهنت جدرانه.
وأصلحت الأصص.
وفتحت النوافذ.
أخرجت سرير الطفلة من الغرفة الخلفية، لكنني لم أرمه.
تبرعت به لفتاة حامل من الحي، ومعه ورقة كتبت فيها
ليكن هذا السرير لطفلة منتظَرة.
وحولت الغرفة إلى مطبخ مجتمعي.
كل يوم خميس كنت أقدم الشوفان بلا سكر، والقهوة، وقطعة خبز حلو مقسومة إلى نصفين.
في البداية قال الناس إنني مجنونة.
ثم بدأت تأتي نساء مسنات وحيدات، وفتيات بملابس عمل، وطالبات بحقائب ممزقة.
كنت آخذ ما يستطعن دفعه.
وأحيانًا لا آخذ شيئًا.
علقت على الحائط صورة الحاجة كريمة شابة وهي تحمل الطفلة.
لم أكتب القصة كاملة.
كتبت فقط تحتها
كريمة وآنا وجدتا بعضهما متأخرتين.
بعد عام، حملت الزهور إلى قبرها.
لم أذهب وحدي.
ذهبت مع أمي التي ربّتني على كرسي متحرك.
وضعت أمي باقة بيضاء وقالت
شكرًا لأنك تركتِني أحبها.
لم أعرف إن كانت كريمة ستقبل هذه الكلمات.
لكن الريح حرّكت الزهور كأن أحدًا تنفس.
أخرجت الرسالة الأصلية من حقيبتي.
وقرأتها مرة أخرى قرب القبر.
هذه المرة لم تكسرني كما في المرة الأولى.
القراءة الأولى أخذت الأرض من تحتي.
أما الثانية فأعطتني جذرًا.
قلت للقبر
لا أعرف إن كنت أسامحك لأنك صمتِّ لكن شكرًا لأنك بحثتِ عني.
بكت أمي التي ربّتني.
وبكيت أنا أيضًا.
ثم أخرجت ورقتين نقديتين قديمتين ومطويتين، آخر مال رماه سامر نحوي في الجنازة.
وضعتهما فوق القبر.
آخر أجر لي يا حاجة كريمة.
ثم رفعتهما.
لا، الأفضل لا.
نظرت أمي إليّ باستغراب.
سنشتري بهما خبزًا.
ولأول مرة منذ بدأ كل شيء، ضحكت.
لم تكن ضحكة عالية.
لكنها كانت
في ذلك المساء فتحت البيت وقدمت القهوة لعشر نساء.
كانت إحداهن امرأة مسنة سألتني كم آخذ مقابل التنظيف.
نظرت إليها.
كانت يداها ملوّثتين بالصابون، وعيناها عيني امرأة طلبت القليل طوال حياتها.
قلت لها
مئتا دينار.
خفضت نظرها.
لا أملك أكثر.
وضعت أمامها رغيفًا كاملًا.
لم أسألك.
وبينما كانت تأكل، فهمت أخيرًا الطريقة الخشنة التي أحبتني بها كريمة.
لم تكن تعرف كيف تكون حنونة دون أن تأمر.
ولم تكن تعرف كيف تطلب الغفران دون أن تخفي مفتاحًا.
ولم تكن تعرف كيف تقول ابنتي دون أن تضع أولًا مكنسة بيننا.
لكنها بحثت عني.
ووجدتني.
ورغم أنها تركت لي حقيقة أثقل من أن أحملها دفعة واحدة، تركت لي أيضًا بيتًا لا تشعر فيه أي فتاة جائعة بأنها نفاية فقط لأنها تحتاج إلى عمل.
ما زلت أنظف حتى اليوم.
أنظف الطاولات، والقدور، والأرضيات، والذكريات.
لكنني لم أعد أنحني برأسي عندما يقول أحدهم
فتاة الممسحة.
لأن تلك الممسحة أخذتني إلى باب كان يجب أن يُفتح يوم وُلدت.
وكل خميس، عندما أقسم الخبز الحلو إلى نصفين، أشعر
بينما أتجرأ أخيرًا على أن أناديها
أمي.