تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، معروفةً في عمّان بأنها الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد
المحتويات
ببطء.
ثم اتصل بي والدها.
صوته كان هادئًا، لكنه لم يحمل تلك القوة التي اعتدت سماعها فيه.
بدا متعبًا بشكل غريب.
قال فقط
هي لا تأكل منذ أيام وأظن أنها تحتاج أن تتحدث معك.
كدت أرفض فورًا.
جزء داخلي كان ما يزال يريد أن يصرخ في وجهه
أنت السبب.
لكن شيئًا آخر داخلي
شيئًا أكثر تعبًا من الغضب
دفعني للذهاب.
وعندما دخلت بيتهم
شعرت لأول مرة أن ذلك القصر ليس مريحًا كما كنت أتخيل دائمًا.
كان واسعًا أكثر من اللازم.
صامتًا أكثر من اللازم.
باردًا بطريقة غريبة.
كأن الحزن يعيش داخله منذ سنوات.
حتى الخدم كانوا يتحركون بهدوء مبالغ فيه
كأن الجميع يخاف إيقاظ شيء ثقيل نائم داخل الجدران.
وجدتها جالسة قرب النافذة.
ترتدي عباءة سوداء واسعة تخفي جسدها بالكامل، وتضم يديها داخلها كأنها تحاول الاختباء من العالم كله.
بدت أضعف بكثير من آخر مرة رأيتها فيها.
وجهها كان شاحبًا بشكل أخافني للحظة.
وعندما رفعت عينيها نحوي
خفضتهما فورًا.
جلستُ أمامها دون مقدمات طويلة.
كنت أعرف أنني لو ترددت
فلن أسأل أبدًا.
ثم قلت مباشرة
أخي مات بسبب العملية فعلًا؟
تجمّد وجهها بالكامل.
ورأيت الرعب يمر داخل عينيها للحظة قصيرة.
وبعد ثوانٍ طويلة
بدأت تبكي بصمت.
قالت وهي تهز رأسها ببطء
نعم
شعرتُ وقتها وكأن شيئًا انكسر داخلي من جديد.
ورغم أنني كنت أعرف الحقيقة تقريبًا
إلا أن سماعها بصوت واضح كان مختلفًا تمامًا.
كأن الجرح فُتح مرة أخرى أمامي.
أكملت بصوت متقطع
أبوك لم يكن يعرف التفاصيل كاملة في البداية لكنه بدأ يشك بعد فترة.
ثم بدأت تحكي لأول مرة بهدوء حقيقي.
في الليلة التي دخلتُ فيها غرفة العمليات كان أخوك في الطابق نفسه.
شعرتُ ببرودة تضرب ظهري.
أما هي فأكملت وهي ترتجف
حالتي كانت ميؤوسًا منها تقريبًا
والأطباء قالوا إنني لن أعيش دون زراعة عاجلة.
سكتت لحظة طويلة.
وفي الليلة نفسها دخل أخوك المستشفى بعد الحادث.
اختفى الصوت
حتى أنني توقفت عن التنفس للحظة.
قالت وهي تبكي
كان ما يزال حيًا
ثم أغلقت عينيها بقوة وكأنها لا تحتمل الكلمات.
لكن الطبيب المسؤول أخبر والدي أن فرص نجاته ليست كبيرة وأن توافق الأنسجة بيننا نادر بشكل شبه مستحيل.. وإذا تمت العملية ستنعدم فرصة نجاته.
شعرتُ بيدي تنقبضان ببطء.
رفعت عينيها نحوي أخيرًا.
وكان داخلهما رعب قديم لم يمت.
الطبيب هو من اقترح الأمر.
لم أفهم في البداية.
لكنها همست بعدها مباشرة
اقترح أخذ جزء من الكبد قبل إعلان وفاته رسميًا.
شعرتُ بالغثيان فورًا.
ونهضت من مكاني بعنف حتى اصطدمت الطاولة الصغيرة بقدمي.
ماذا؟
خرج صوتي مخنوقًا.
أما هي فبدأت تبكي بشكل أقوى.
أبي وافق
وضعت يدها فوق فمها وهي ترتجف.
كان مرعوبًا من ان يفقدني وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى لا أموت.
شعرتُ أن الغرفة تدور حولي.
أخي
كان ما يزال حيًا.
تلك الفكرة وحدها كانت كافية لتمزيقي من الداخل.
أكملت وهي تبكي
بعدها تم التلاعب بالتقارير وأُعلن موته أسرع مما كان يجب.
لم أعد قادرًا على النظر إليها.
أما هي فأكملت بصوت محطم
والطبيب أخذ أموالًا ضخمة مقابل صمته ثم اختفى بعدها من المستشفى تمامًا.
شعرتُ وقتها أنني أختنق.
لأول مرة
لم أعد أرى ما حدث مجرد خطأ.
بل جريمة كاملة.
قالت وهي تمسح دموعها المرتجفة
وعندما بدأ أبوك يشك حاول والدي احتواء الأمر بالمال.
ضحكتُ فجأة دون إرادة.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
لأنني استطعت تخيّل أبي بوضوح.
رجل بسيط بملابس مليئة بغبار البناء
وخلف عينيه خوف هائل على ابنه
ثم يأتي أحدهم ليضع المال أمامه وكأن طفلًا يمكن استبداله بورق.
قالت بعدها بسرعة وكأنها
تخاف من شيء آخر
ثم مات والدك بعد ذلك بفترة في حادث العمل
ورفعت عينيها نحوي فورًا.
لكن أقسم بالله موته لم يكن مدبرًا.
سكتت قليلًا ثم همست
أحيانًا الحياة تكون ظالمة بما يكفي دون مؤامرات.
تلك الجملة بقيت تدور داخل رأسي طويلًا.
لأنها كانت حقيقية بشكل مرعب.
أخي مات فعلًا بسبب ما فعله والدها.
هذه الحقيقة لم تعد مجرد شك.
لكن أبي
لم يُقتل.
كان مجرد رجل فقير أتعبه الحزن والعمل والخوف حتى سقط يومًا من فوق البناء وانتهى كل شيء.
وذلك كان موجعًا أكثر.
لأنني طوال سنوات كنت أبحث عن وحش واضح أكرهه
لكن الحقيقة كانت أقذر من ذلك.
رجل خائف على ابنته.
طبيب بلا ضمير.
وطفل فقير لم يكن أحد سيسأل عنه طويلًا.
ثم حياة كاملة انهارت بعدها وحدها.
سكتُّ طويلًا.
ثم سألتها فجأة
هل تكرهينه؟
ارتجفت شفتاها فورًا.
وكأن السؤال مزّقها من الداخل.
ثم همست بعد صمت طويل
كل يوم ثم أحبه من جديد.
تلك كانت أول مرة أفهم فيها حقيقة عذابها فعلًا.
بعد ذلك اليوم بدأت أراها بشكل مختلف.
خارج شكلها.
وخارج كلام الناس.
وخارج كل الإشاعات التي لاحقتها عمرها كله.
رأيت إنسانة تعيش داخل عقوبة مستمرة منذ سنوات.
كانت بالكاد تنام.
وتتناول أدوية نفسية منذ مراهقتها.
وأحيانًا كنت أسمعها تستيقظ مذعورة من النوم بعد كوابيس لا تخبرني عنها.
وتشعر بالذنب حتى وهي تضحك.
كأنها تعتذر عن وجودها نفسه.
وفي المقابل
بدأت هي ترى عالمي الحقيقي لأول مرة.
رأت أمي وهي تختنق ليلًا بسبب ضعف تنفسها.
رأت البيت الضيق القديم.
رأت الرطوبة على الجدران.
ورأت كيف كنت أعود من العمل ويدي مليئتين بالجروح والتشققات.
وفي إحدى المرات
رأتني أغيّر ضمادة يدي بعد يوم طويل في البناء.
كانت واقفة عند باب الغرفة بصمت.
ثم اقتربت ببطء وهي تنظر إلى الجرح المفتوح قرب
أصابعي.
وفجأة
بكت.
قالت وهي تحدّق في يدي وكأنها ترى شيئًا لا تحتمله
كل هذا ونحن كنا نعيش هناك دون أن نشعر بأي شيء.
لم أعرف ماذا أقول وقتها.
لأنني لأول مرة شعرت أن أحدًا من عالمها يرى عالمنا فعلًا.
ليس كحكاية حزينة يسمعها الناس ثم ينسونها
بل كشيء حقيقي يمكن لمسه.
ومنذ ذلك اليوم بدأت تزور أمي كثيرًا.
في البداية كانت أمي متحفّظة
تراقبها بصمت طويل.
وكأنها تحاول أن تقرر هل تكرهها أم تشفق عليها.
لكنها مع الوقت بدأت تراها على حقيقتها.
امرأة خائفة أكثر مما هي مؤذية.
وفي إحدى الليالي
سمعت أمي تسعل بقوة داخل غرفتها.
وقبل أن أتحرك
وجدتها تركض نحوها.
جلست بجانبها تساعدها على التنفس وترتب الوسادة خلف ظهرها بيدين ترتجفان.
ثم بقيت مستيقظة قربها حتى الفجر.
وفي الصباح
سمعت أمي تقول لها بصوت متعب
أنتِ لستِ أباكِ.
تجمّدت ملامحها بالكامل لحظة سماع الجملة.
ثم بدأت تبكي بصمت وكأن أحدًا فتح جرحًا قديمًا داخلها.
ومع مرور الأيام
بدأ شيء غريب يتغيّر بيننا.
لم يكن حبًا.
ولم يكن غفرانًا.
بل نوعًا من الفهم البطيء والمؤلم.
صرنا نتحدث أحيانًا لساعات طويلة.
عن الخوف.
عن الوحدة.
عن الشعور بأن الحياة بدأت بشكل خاطئ منذ البداية.
هي كانت تخاف من الناس.
وأنا كنت أخاف أن أقترب منها أكثر مما ينبغي.
لأن جزءًا داخلي كان ما يزال يرى أخي كلما نظرت إلى الندبة أسفل بطنها.
لكن أكثر شخص تغيّر
كان والدها.
بعدما عرف أنني عرفت الحقيقة كاملة
لم يحاول تهديدي.
ولم يحاول شراء صمتي أيضًا.
بل بدا وكأنه تعب أخيرًا.
صار أكثر هدوءًا.
وأقل ظهورًا.
حتى خطواته داخل البيت أصبحت أبطأ.
وكأنه يحمل داخله ثقلًا قديمًا بدأ يقتله مع العمر.
وفي إحدى الليالي طلب أن نتحدث وحدنا.
جلس أمامي طويلًا دون كلام.
وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن الصمت بيننا أثقل من أي شجار.
ولأول مرة
لم أرَ رجل الأعمال الذي يخافه الجميع.
رأيت أبًا عجوزًا فقط.
لكن ذلك لم يجعلني أنسى شيئًا.
ثم قال بصوت متعب
أعرف أنك تكرهني.
لم أجب.
فأكمل بعد صمت قصير
ولو عاد الزمن سأفعل الشيء نفسه مرة أخرى حتى لا تموت ابنتي.
شعرتُ بالغضب يشتعل داخلي فورًا.
حتى أنني نهضت من مكاني بعنف.
حتى لو كان الثمن طفلًا آخر؟!
رفع عينيه نحوي ببطء.
ولم يدافع عن نفسه.
ولم يبرر.
قال فقط بصوت
في تلك الليلة كنت مستعدًا أن أحرق العالم كله حتى لا أدفن ابنتي.
كرهته أكثر في تلك اللحظة.
لكني فهمته أيضًا بطريقة أرعبتني.
لأنني أدركت فجأة أن بعض البشر
لا يرتكبون أسوأ أفعالهم بدافع الشر
بل
متابعة القراءة