تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، معروفةً في عمّان بأنها الفتاة السمينة التي لا يريدها أحد
بدافع الحب حين يتحول إلى خوف أعمى.
ثم قال وهو ينظر إلى الأرض
بعض الآباء يتحول حبهم إلى أنانية دون أن يشعروا.
سكت قليلًا ثم أكمل
الطبيب قال إن أخاك لن يعيش غالبًا وتمسكتُ بهذه الجملة كأنها عذر.
تنفّس بصعوبة.
دفعت مالًا وأغلقت أفواهًا وأقنعت نفسي أنني أنقذ ابنتي فقط.
ثم رفع عينيه نحوي أخيرًا
لكنني في الحقيقة كنت أدمّر عائلة كاملة حتى لا أخسر ابنتي.
تلك كانت أول مرة يعترف فيها بشيء بهذا الوضوح.
ليس أمام الناس.
ولا أمام الشرطة.
بل أمامي أنا فقط.
وبشكل غريب
لم أشعر بالراحة بعد اعترافه.
لأن الاعتراف لا يعيد الموتى.
ولا يجعل الطفل الذي دُفن قبل سنوات يفتح عينيه من جديد.
بعدها بأشهر بدأت علاقتي بها تستقر بطريقة غريبة.
لا نحن زوجان طبيعيان.
ولا نحن غريبان.
شيء معلّق بين الاثنين.
أحيانًا نقترب كثيرًا
ثم يعود الماضي فجأة ليقف بيننا كجدار بارد.
وأحيانًا كانت تستيقظ من نومها وهي تبكي بعدما ترى طفلًا صغيرًا في أحلامها يناديها.
وفي بعض الليالي
كانت تضع يدها فوق الندبة أسفل بطنها وتظل صامتة طويلًا وكأنها تسمع شيئًا لا أستطيع سماعه.
أما أنا
فكنت أرى أخي كلما نظرت إلى تلك الندبة.
أراه يركض في الحارة القديمة
ثم يختفي داخل غرفة العمليات إلى الأبد.
وفي يوم ممطر
كانت عائدة مع والدها من زيارة طبيبها النفسي عندما وقع حادث على الطريق السريع.
سيارة فقدت السيطرة وسط المطر واصطدمت بهم بعنف.
أصيبت هي بجروح خفيفة
لكن والدها دخل العناية المركزة.
وعندما وصلتُ إلى المستشفى
وجدتها
جالسة على الأرض قرب باب الطوارئ تبكي كطفلة صغيرة.
كانت ترتجف بالكامل وتكرر بصوت مخنوق
لا أريد أن
لا أريد أن أخسره
حتى الممرضات لم يستطعن تهدئتها.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت حقيقة صراعها كله.
هي لا تدافع عنه لأنه بريء.
ولا لأنها نسيت ما فعله.
بل لأنه أبوها.
الرجل نفسه الذي دمّر حياة عائلة كاملة
هو نفسه الرجل الذي كان يحملها بين ذراعيه كل ليلة خوفًا عليها وهي صغيرة.
وفي مجتمعاتنا
الأب يبقى شيئًا متجذرًا داخل القلب بطريقة مرعبة.
حتى حين يتحول إلى جرح.
وبعد ساعات طويلة خرج الطبيب وأخبرنا أن حالته استقرت.
رأيتها تنهار وقتها من شدة البكاء.
وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الليل.
لكن الحادث غيّره فعلًا.
بعد خروجه من المستشفى
لم يعد الرجل نفسه.
صار أهدأ.
وأقل سيطرة عليها.
حتى صوته أصبح أخف.
وكأنه أدرك أخيرًا أن الموت يقترب من الجميع مهما امتلكوا من مال ونفوذ.
وفي إحدى المرات
سمعته يقول لها بهدوء
عيشي حياتك لا تعيشي داخل خطئي أنا.
تجمّدت يومها من الصدمة.
لأنها كانت أول مرة أراه يعترف، ولو بطريقة غير مباشرة، أن ما فعله لم يكن مجرد تصرف أب خائف
بل خطيئة تطارد الجميع.
أما هي
فبدأت تتعافى تدريجيًا.
ليس من الماضي
بل من كرهها لنفسها.
بدأت تخرج أكثر.
تزور أمي أحيانًا.
وتساعد بعض العائلات الفقيرة بسرية تامة.
وفي كل مرة كانت ترى طفلًا مريضًا
كنت ألاحظ ذلك الوجع القديم يمر داخل عينيها للحظة.
ولأول مرة منذ عرفتها
رأيتها تضحك دون خوف.
ضحكة حقيقية
ليست معتذرة.
أما أنا
فاكتشفت أنني لم أعد
أبحث عن الانتقام.
لأن الانتقام لن يعيد أخي.
ولن يغيّر شيئًا مما حدث.
وأدركت متأخرًا أن الكراهية الطويلة تشبه حمل حجر ثقيل داخل الصدر لسنوات
دون أن يسقط أبدًا.
وفي النهاية
لم نبقَ
ولم نبقَ معًا لأن الماضي اختفى فجأة وكأن شيئًا لم يكن.
بل لأننا، بعد كل ذلك الألم، أصبح كل واحدٍ منا يرى جرح الآخر بوضوح لا يمكن الهروب منه.
هي لم تعد بالنسبة لي ابنة الرجل الذي دمّر عائلتي.
وأنا لم أعد بالنسبة لها أخو الطفل الذي مات بسببها.
صرنا شخصين يحمل كلٌّ منهما بقايا كارثة قديمة
ويحاول فقط أن يتنفس بعدها.
علاقتنا لم تتحول إلى قصة حب مثالية كما يحدث في الحكايات.
حتى بعد سنوات
كانت هناك لحظات صمت طويلة بيننا.
لحظات يعود فيها الماضي فجأة دون إنذار.
أحيانًا كنت أستيقظ ليلًا وأتذكر أخي
فأبتعد عنها دون أن أشعر.
وأحيانًا كانت تنظر إلى والدها بصمت بعد الحادث
ثم تبكي وحدها لأنها لا تعرف كيف تحبه وتغفر له في الوقت نفسه.
لكن رغم كل شيء
كان هناك شيء حقيقي ينمو بيننا بهدوء.
شيء يشبه الرحمة.
الرحمة التي تأتي بعد التعب الطويل
بعد أن يكتشف الإنسان أن الكره المستمر يدمّر صاحبه أكثر مما يدمّر الآخرين.
ومع مرور الوقت بدأت تتغيّر فعلًا.
لم تعد تختبئ داخل العباءات الواسعة طوال الوقت.
ولم تعد تخاف من نظرات الناس كما كانت.
بدأت تخرج أحيانًا مع أمي إلى السوق.
تساعدها في البيت.
وتضحك معها على أشياء بسيطة جدًا، وكأنها تحاول تعويض عمر كامل ضاع منها وهي خائفة.
حتى أمي
التي ظننت يومًا أنها لن تستطيع النظر إليها
بدأت
تراها بطريقة مختلفة.
كانت تقول لي أحيانًا
البنت متعبة يا ابني الدنيا أكلتها وهي حيّة.
أما والدها
فبعد الحادث أصبح أهدأ بكثير.
لم يعد ذلك الرجل الذي يفرض سيطرته على الجميع بصوته ونفوذه.
صار يبدو كرجل عجوز يحمل ذنبًا أكبر منه.
وأظن
لكنه لا يستطيع شراء راحة الإنسان من نفسه.
لم يعترف بما فعله أمام الناس.
ولم تحدث فضائح كبيرة.
لأن فضيحة كهذه كانت ستدمّر الجميع دون أن تعيد طفلًا مات منذ سنوات.
فبقيت الحقيقة محصورة بيننا
ثقيلة
ومؤلمة
لكنها حقيقية.
وفي أحد الأيام، بعد أشهر طويلة من الصمت والتردد، عادت هي إلى بيتنا نهائيًا.
ليس كزوجة جاءت لتبدأ قصة حب.
بل كإنسانة تعبت من الهرب.
وفي تلك الليلة تحديدًا
جلسنا على الشرفة القديمة لبيت أمي.
كانت عمّان هادئة بشكل غريب.
والهواء البارد يحرّك طرف حجابها بصمت.
ثم قالت فجأة
هل تعتقد أننا نستطيع أن نعيش بشكل طبيعي يومًا ما؟
نظرت إليها طويلًا.
ثم قلت
لا أعرف لكن ربما نستطيع أن نعيش بسلام.
ولأول مرة منذ عرفتها
ابتسمت دون خوف.
ابتسامة صغيرة جدًا
لكنها كانت حقيقية.
بعدها بوقت طويل
صرنا نخرج أحيانًا معًا دون أن نهتم بكلام الناس.
بعضهم كان ما يزال يهمس عندما يراها.
وبعضهم ينظر إليها بشفقة قديمة.
لكنها لم تعد تنكسر كما كانت.
وكأنها أخيرًا فهمت أن حياتها ليست ملكًا لنظرات الآخرين.
وفي صباح شتوي هادئ
كانت تسير بجانبي في أحد شوارع عمّان القديمة، بعباءتها السوداء الواسعة، بينما الناس يمرّون حولنا بشكل عادي جدًا.
باعة القهوة ينادون بأصوات مرتفعة.
ورائحة الخبز الساخن تملأ المكان.
والمدينة تمضي في حياتها كأنها لا تعرف شيئًا عن كل الألم الذي عشناه.
لا أحد كان يهمس عنها هذه المرة.
لا أحد ينظر إليها كأنها البنت التخينة المعيبة.
مجرد امرأة عادية
تمشي بهدوء بجوار رجل عادي.
وحين نظرت إليها وقتها
أدركت أخيرًا أن
أحيانًا تُبنى على النجاة.
على شخصين كسرتْهما الحياة بطرق مختلفة
ثم وجدا نفسيهما يحاولان الوقوف معًا وسط الخراب.
وربما
كان ذلك كافيًا.