اقتحمتُ شقّةً قديمة في السيدة زينب… فوجدتُ فتاةً عمياء مربوطةً إلى كرسي
المحتويات
شيء.
حتى أبناءهم.
شعرتُ بالغثيان.
ثم بصقت قرب قدميها وقلت
لو متُّ جوعًا لن أبيع طفلة.
تغيّرت ملامحها فورًا.
اختفى الهدوء من وجهها تمامًا.
وقالت بحدّة
إذًا ستموت بسببها.
وفي لحظة واحدة
أخرجت سكينًا صغيرة من تحت عباءتها.
دفعتُ الطفلة خلفي بسرعة.
تراجعت وهي تبكي بصمت.
المطر كان يزداد غزارة.
والشارع شبه خالٍ.
لا أحد يريد التدخّل.
فهذه المدينة تعلّمت أن تنظر بعيدًا.
انقضّت المرأة نحوي فجأة.
تفاديتُ الضربة بصعوبة.
واصطدمت يدها بالحائط الحجريّ بقوّة.
صرخت غاضبة.
ثم عادت تهاجمني بعنف.
كانت تتحرّك كإنسانة يائسة.
كذئبة تخشى خسارة فريستها الأخيرة.
أمسكتُ معصمها بكلّ ما أملك من قوّة.
سقطت السكين من يدها وارتطمت بالأرض.
لكنّها لم تتوقّف.
بدأت تضربني بأظافرها وتصرخ
لن تأخذها منّي!
هي ملكي!
تجمّدتُ للحظة عند تلك الكلمة.
ملكي.
هكذا كانت تراها.
شيئًا يُباع ويُشترى.
دفعتُها بعيدًا بقوّة فسقطت فوق الأرض المبلّلة.
وفي اللحظة نفسها
دوّى صوت صفّارة شرطة أقرب هذه المرّة.
التفتت المرأة بسرعة.
والرعب ظهر أخيرًا في عينيها.
أما أنا
فكنت أتنفّس بصعوبة، بينما الطفلة تختبئ خلف ظهري وترتجف.
وفي آخر
الشارع
ظهرت أضواء سيارة الشرطة وسط المطر كأنّها تشقّ الظلام بسكينٍ بارد.
توقّفت السيارة عند أول الشارع، ونزل منها شرطيّان يركضان نحونا بسرعة، بينما كانت المرأة تحاول النهوض من فوق الأرض المبلّلة وهي تسبّ بعنف.
لكن قبل أن تهرب
صرخت الطفلة فجأة بصوتٍ مرتجف
هي التي كانت تضربني!
توقّفت المرأة مكانها.
كان الرعب قد ظهر أخيرًا في عينيها.
اقترب أحد الشرطيّين منها بسرعة،
نظر إليّ بريبة.
رجل مبلّل بالمطر.
ثيابه رثّة.
وجهه مليء بالخدوش.
ويحمل طفلة تبكي.
قال بحدّة
ماذا يحدث هنا؟
فتحتُ فمي
لكنّ الطفلة سبقتني.
تشبّثت بمعطفي وهي تصرخ
لا تأخذوني معها!
أرجوكم لا تعيدوني إليها!
ساد صمت ثقيل للحظة.
ثم ركع الشرطيّ أمامها ببطء.
وصوته تغيّر تمامًا
اهدئي يا صغيرة لن يلمسكِ أحد.
لكنّها لم تتوقّف عن الارتجاف.
كانت تتنفّس بسرعة مرعبة، كأنّها تنتظر أن ينهال عليها الضرب في أيّ لحظة.
نظر الشرطيّ إليّ مجددًا.
مَن هذه المرأة؟
وقبل أن أجيب
صرخت المرأة بعصبيّة
هذه ابنتي!
ذلك الحقير خطفها من البيت!
الشرطيّ التفت نحوها فورًا.
ثم نظر إلى الطفلة.
ما اسمكِ يا حبيبتي؟
ارتبكت الصغيرة.
شعرتُ بيدها تتشبّث بي أكثر.
كأنّ الاسم نفسه صار شيئًا تخافه.
ظلّت صامتة للحظات
وفجأة تذكّرتُ الورقة التي رأيتها معلّقة خلف الباب الحديديّ داخل الشقّة.
الصورة نفسها
وأسفلها اسم مكتوب بخط واضح
ليان محمود الشاذلي.
خرج الاسم من فمي دون تفكير
أظنّ أنّ اسمها ليان محمود الشاذلي.
تجمّد الشرطيّ للحظة.
وكأنّ
الاسم أيقظ شيئًا قديمًا في ذاكرته.
ثم نظر بسرعة إلى الطفلة.
اسمك ليان؟
ارتجفت الصغيرة
وبدت وكأنّها تحاول تذكّر شيء ضاع منها منذ زمن طويل.
ثم همست بصوتٍ ضعيف
أعتقد نعم.
أخرج الشرطيّ جهاز اللاسلكي بسرعة وبدأ يردّد الاسم.
ليان محمود الشاذلي.
ثوانٍ فقط
ثم تغيّر وجهه بالكامل.
رفع رأسه نحو المرأة ببطء.
وقال بحدّة مفاجئة
هذه الطفلة مبلّغ عن اختفائها منذ ثلاث سنوات.
تراجعت المرأة خطوة للخلف.
ثم حاولت الهرب فجأة.
لكنّ الشرطيّ الآخر
بدأت تصرخ وتسبّ وتقاوم كالمجنونة، بينما كانت الأمطار تضرب وجهها بقسوة.
أما ليان
فدفنت وجهها في صدري كأنّها تحاول الاختباء داخلي.
بعد دقائق قليلة
وصلت سيّارتا شرطة إضافيّتان.
وضجّ الشارع بالأصوات.
الجيران بدأوا يخرجون أخيرًا من النوافذ والأبواب.
كالعادة
لا يظهر الناس إلّا بعد انتهاء الخطر.
سمعتُ امرأة عجوز تتمتم
يا ساتر
كنا نظنّها ابنتها فعلًا.
وقال رجل آخر
البنت كانت تشحذ عند الجامع كل يوم.
كلّهم رأوها.
كلّهم مرّوا بجانبها.
ولا أحد سأل.
ولا أحد توقّف.
ولا أحد فكّر لماذا تبدو طفلة صغيرة مرعوبة دائمًا.
ذلك ما قتلني من الداخل.
ليس المرأة وحدها.
بل المدينة بأكملها.
مدينة تعلّمت كيف ترى الألم
ثم تدير وجهها بعيدًا.
اقترب منّي ضابط أكبر سنًّا.
كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وعيناه تحملان تعب سنوات طويلة.
نظر إلى ليان طويلًا.
ثم قال
أنت من وجدها؟
أومأت بصمت.
وكيف وصلت إليها؟
هنا فقط
عاد الواقع يصفعني بقسوة.
أنا لص.
دخلتُ
الشقة لأسرق.
لو قلت الحقيقة
ربّما ينتهي بي الأمر في السجن.
شعرتُ بقلبى يخبط بعنف داخل صدري.
لكن قبل أن أجيب
رفعت ليان رأسها نحوي فجأة.
ثم قالت وهي تبكي
هو أنقذني.
نظر الضابط إليها.
ثم إليّ.
وصمت طويلًا.
وأخيرًا قال
سنأخذ أقوال الجميع في القسم.
في القسم
جلست ليان فوق كرسي صغير ملفوفة ببطانية رمادية.
كانت هناك شرطية تحاول تهدئتها بلطف، بينما بقيت الصغيرة ممسكة بطرف معطفي وكأنّها تخاف أن أختفي لو ابتعدت قليلًا.
أما أنا
فجلست وحدي في غرفة ضيّقة تفوح منها رائحة القهوة الباردة والسجائر.
مصباح أبيض
وطاولة معدنية قديمة أمامي.
كان الضابط يجلس مقابلي ويدوّن ملاحظاته بصمت.
اسمك؟
سالم.
تعمل ماذا؟
ابتسمتُ بسخرية مريرة.
ماذا أقول؟
لص؟
عاطل؟
رجل ضاع من نفسه منذ سنوات؟
قلت أخيرًا
أيّ شيء يجعلني آكل.
رفع الضابط عينيه نحوي لحظة.
ثم عاد للكتابة.
أين تسكن؟
لا مكان ثابت.
توقّف قلمه هذه المرّة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
وماذا كنت تفعل قرب تلك الشقّة؟
جفّ حلقي.
شعرتُ بأنفاسي تثقل.
هذه اللحظة التي كنت أخشاها.
لو كذبت
ربّما يكتشفون الأمر لاحقًا.
ولو قلت الحقيقة
قد أعود إلى الزنزانة التي خرجتُ منها قبل عامين.
ظللتُ صامتًا للحظات.
ثم قلت بصوت منخفض
كنت سأسرقها.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى صوت المطر بالخارج بدا أبعد فجأة.
الضابط ظلّ ينظر إليّ دون أيّ تعبير.
ثم قال بهدوء
لكنّك لم تفعل.
ضحكتُ بسخرية موجوعة.
يبدو أنّني فشلت حتى في السرقة.
ولأول مرة منذ بداية التحقيق
رأيته يبتسم
ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم أغلق الملفّ أمامه.
أحيانًا يفشل الإنسان في الشيء الخطأ فينجو.
لم أعرف لماذا
لكنّ الجملة ضربتني بقوّة.
بعد ساعة تقريبًا
دخل ضابط آخر يحمل ملفًّا قديمًا.
وضعه فوق الطاولة.
ثم فتحه ببطء.
كانت هناك
متابعة القراءة
صور كثيرة.
رجل أنيق يحمل طفلة صغيرة ويضحك.
امرأة محجّبة تقبّل خدّها.
غرفة مليئة بالألعاب.
عيد ميلاد.
حديقة.
عائلة كاملة.
ثم قال الضابط
والدها طبيب معروف.
اختُطفت من أمام مركز تجاري قبل ثلاث سنوات.
شعرتُ بقبضة تعتصر قلبي.
ثلاث سنوات كاملة
ثلاث سنوات وهي تُباع عند الإشارات وتُضرب وتُربط بالحبال.
بينما كانت عائلتها تبحث عنها في كل مكان.
أغمضتُ عينيّ للحظة.
ثم سألت
وهل أمّها ما زالت حيّة؟
نظر الضابط إليّ مطولًا.
ثم قال
دخلت مصحّة نفسيّة بعد اختفائها بعام.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
تخيّلت أمًّا تستيقظ كل صباح على غياب ابنتها.
تأكل وهي تتخيّلها جائعة.
وتنام وهي تتخيّلها
متابعة القراءة