اقتحمتُ شقّةً قديمة في السيدة زينب… فوجدتُ فتاةً عمياء مربوطةً إلى كرسي

لمحة نيوز

تبكي في مكان مظلم.
بينما كانت ليان حيّة طوال الوقت
في شقة قذرة
تنتظر سندويشة فول.
مسحتُ وجهي بيدي المرتجفتين.
وفجأة
فُتح باب الغرفة بعنف.
التفتُّ بسرعة.
وكانت ليان تركض نحوي.
رمت نفسها في حضني فورًا.
وتشبّثت بي بقوّة.
قالت الشرطية خلفها باعتذار
رفضت أن تبقى بعيدًا عنه.
وضعتُ يدي فوق شعرها
بصمت.
ثم سمعتها تهمس قرب أذني
أنت لن تتركني أليس كذلك؟
أغمضتُ عينيّ.
كنت رجلًا بلا بيت.
بلا مال.
بلا مستقبل.
لكنّ تلك الطفلة
وثقت بي أكثر من كلّ البشر الذين قابلتهم في حياتي.
قلت أخيرًا
لن أترككِ حتى تعودي إلى أمّكِ.
وقبل الفجر بقليل
وصل والداها.
لن أنسى ذلك المشهد ما حييت.
دخل الأب أولًا.
رجل في الخمسين تقريبًا.
ملامحه مرهقة وكأنّه لم ينم منذ سنوات.
ثم دخلت الأم خلفه.
كانت ترتجف بالكامل.
وجهها شاحب.
وعيناها غارقتان في بكاء
قديم لم يتوقّف أبدًا.
كانت تلهث وكأنّ قلبها سيتوقّف.
ثم نادت بصوت مكسور
ليان؟
التفتت الطفلة نحو الصوت.
تجمّدت.
ساد صمت طويل داخل القسم كله.
حتى الضبّاط توقّفوا عن الحركة.
ثم بدأت ليان ترتجف فجأة.
وكأنّ الذكرى القديمة عادت دفعة واحدة.
خطت الأم خطوة مرتجفة نحوها وهي تبكي
أنا هنا يا حبيبتي
أنا ماما
وضعت ليان يدها فوق فمها.
ثم انفجرت بالبكاء.
أول بكاء حقيقي رأيته منها.
ليس بكاء خوف.
بل بكاء طفلة وجدت الطريق أخيرًا إلى المكان الذي
تنتمي إليه.
ركضت الأم نحوها واحتضنتها بقوّة وهي تنهار بالكامل.
كانت تقبّل شعرها ويديها ووجهها بجنون.
وتكرّر وسط دموعها
سامحيني
سامحيني يا روحي
سامحيني لأنّي لم أجدكِ.
حتى الضبّاط ابتعدوا بصمت.
لا أحد استطاع الكلام.
أما الأب
فوقف مكانه للحظات كأنّه لا يصدق ما يراه.
ثم اقترب ببطء شديد.
ولمّا
لمس شعر ابنته
انهار.
رجل بدا قويًّا طوال الوقت
سقط فجأة وهو يبكي كطفل صغير.
أما أنا
فوقفت بعيدًا أراقب المشهد.
وشعرتُ بشيء دافئ يتحرّك داخل صدري.
شيء لم أعرفه منذ زمن طويل.
السلام.
لأول مرة منذ سنوات
لم أشعر بالجوع.
ولا بالخوف.
ولا بالرغبة في الهرب.
ثم فجأة
تركت ليان حضن أمّها.
والتفتت نحوي.
ركضت بسرعة
وعانقتني بقوّة.
ثم قالت وهي تبكي
لا تذهب.
تجمّدتُ مكاني.
الأم نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالدموع.
ثم اقتربت ببطء.
وقالت
أنت الذي أنقذتها؟
أخفضت رأسي بصمت.
لكنّها فاجأتني.
أمسكت يدي بكلتا يديها وقالت
لن أنسى هذا ما حييت.
شعرتُ بالخجل.
لأنّها لو عرفت الحقيقة
لو عرفت
أنّني دخلت لأسرق
ربّما ما نظرت إليّ بهذه الطريقة.
لكنّ ليان أمسكت يدي فجأة وقالت
هو ليس شريرًا يا ماما
أنا عرفت من صوته.
وهنا فقط
لم أعد قادرًا على حبس
دموعي.
مع شروق الشمس خرجتُ من القسم وحدي.
كانت السماء رمادية والشوارع شبه فارغة.
القاهرة تبدو مختلفة عند الفجر.
أهدأ وأكثر صدقًا.
مشيتُ بلا اتجاه يدي داخل جيبي ورأسي مثقل بأشياء كثيرة.
كنت أتوقّع أن أشعر بالراحة.
لكنّ شيئًا غريبًا كان يضغط فوق صدري.
كأنّني تركت جزءًا مني هناك.
سمعتُ صوت خطوات خلفي ثم صوتًا صغيرًا يناديني
عمّ سالم!
التفتُّ بسرعة.
كانت ليان تركض نحوي.
تمسك يد أمّها وحين وصلت
عانقتني فورًا.
ثم رفعت وجهها نحوي وقالت
أول مرة أخاف من الدنيا أقل
كانت معك.
شعرتُ بحلقي يضيق.
الأم اقتربت ببطء.
ثم قالت
أعرف أنّ الشكر لا يكفي لكن إن احتجت أي شيء يومًا تعال إلينا.
أومأت بصمت.
لأنّ الكلمات خانتني.
ثم انحنت ليان قليلًا وهمست
عندما أشفى أريد أن أراك أول شخص.
ابتسمتُ رغم الدموع.
ستشفين.
قالتها بثقة
غريبة
أعرف.

ثم أمسكت أمّها يدها ورحلتا ببطء.
بقيتُ واقفًا أراقبهما حتى اختفتا ثم رفعتُ رأسي نحو السماء.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرتُ أنّ الله معي.

تم نسخ الرابط