حصلتُ على الدرجة الكاملة في امتحان القبول

لمحة نيوز

فورًا.
وضعتُ حقيبتي فوق السرير السفلي.
وجلست بصمت.
لا صراخ.
لا مقارنات.
لا أحد ينظر إليّ وكأنني مشكلة.
فقط
هدوء.
رن هاتفي مجددًا.
هذه المرة كانت رنا.
ها؟ هل أصبحتِ نجمة العراق الآن؟
ضحكتُ بخفوت.
تقريبًا.
صرخت بحماس
الفيديو انتشر بكل مكان! الناس كلها تتكلم عنكِ!
قطّبت حاجبي.
أي فيديو؟
مقابلتكِ! خصوصًا جملة النجاة! التعليقات انفجرت!
فتحتُ تيك توك ببطء.
وكان الفيديو فعلًا ينتشر بسرعة مرعبة.
آلاف التعليقات.
هذه البنت موجوعة.
واضح أنها مرت بشيء.
أحسستُ بكلامها.
لكن تعليقًا واحدًا فقط شدّني
بعض العائلات تكسر أبناءها ثم تتساءل لماذا يهربون.
شعرتُ بغصّة حادة.
ثم أغلقت الهاتف.
وفي تلك اللحظة
وصلتني صورة جديدة من تبارك.
فتحتُها ببطء.
كانت صورة لغرفتنا.
سريري فارغ.
ومكتبي مرتب للمرة الأولى منذ سنوات.
أما الرسالة فكانت قصيرة جدًا
الغرفة أصبحت هادئة جدًا بدونك.
ظللتُ
أحدّق فيها طويلًا.
لا أعرف لماذا
لكن شيئًا داخل صدري انقبض فجأة.
ولأول مرة
شعرتُ أن الرحيل لا يؤلم الشخص الذي يغادر فقط.
بل حتى الذين بقوا خلفه.
مرّت الأسابيع الأولى في بيت الطالبات ببطء غريب.
كنتُ أستيقظ كل صباح قبل الجميع، أرتدي ملابسي بهدوء، وأخرج إلى جامعة بغداد بينما المدينة ما تزال نصف نائمة.
في البداية شعرتُ بالخوف.
ليس من الدراسة.
بل من الوحدة.
لأن الإنسان حين يقضي عمره كله داخل بيت لو كان يؤذيهيعتاد وجود الأصوات حوله.
صوت أمه في المطبخ.
صوت أخيه وهو يصرخ بسبب مباراة.
حتى المشاكل نفسها تصبح جزءًا
من الإحساس بالأمان.
لكنني كنتُ أعود كل مساء إلى غرفتي الصغيرة وأشعر براحة لم أعرفها من قبل.
لا أحد يفتش تعابير وجهي.
لا أحد يقارنني بتبارك.
لا أحد يطلب مني أن أكون الأكثر تفهمًا دائمًا.
فقط أنا
وصوت المكيف القديم
وضوء أصفر خافت فوق المكتب.
وبعد أسبوع تقريبًا، بدأتُ عملي كمدرّسة خصوصية لابن خالة رنا.
كان اسمه مصطفى.
طالبًا كسولًا بشكل يثير الأعصاب، لكنه كان يضحكني أحيانًا رغمًا عني.
وفي أول يوم أعطتني خالة رنا ظرفًا صغيرًا فيه أول أجر حصلت عليه بحياتي.
لم يكن مبلغًا كبيرًا.
لكنني ظللتُ أحدّق فيه طويلًا داخل الحافلة.
لأنها كانت أول مرة أشعر أنني أقف على قدمي فعلًا.
وفي تلك الليلة
اشتريتُ لنفسي شاورما وعصير رمان وجلست آكل وحدي قرب النهر.
ولأول مرة منذ
شهور
لم أشعر أنني أحتاج أحدًا حتى أستحق الفرح.
أما البيت
فبقي صامتًا.
أمي كانت ترسل رسالة قصيرة كل يوم تقريبًا.
هل أكلتِ؟
هل تحتاجين شيئًا؟
كيف الجامعة؟
لكنني كنتُ أرد ببرود مختصر.
ليس لأنني أكرهها
بل لأن شيئًا داخلي انكسر ولم يعرف كيف يعود كما كان.
أما أبي فلم يتصل أبدًا.
وسيف
اختفى تمامًا.
وكأن وجودي أو غيابي لا يغيّر شيئًا في حياته.
لكن الغريب
أن تبارك وحدها كانت تستمر بإرسال الرسائل.
صور للقطة التي كانت تدخل حديقتنا.
فيديو قصير للمطر في الأعظمية.
حتى صورة لكوب الشاي المفضل لديّ.
ولا تكتب شيئًا أحيانًا.
فقط ترسل الصورة وتصمت.
وذلك كان يربكني أكثر من كرهها نفسه.
بعد شهر تقريبًا
بدأ شيء غريب يحدث على السوشيال
ميديا.
الناس صاروا يعرفونني.
مقطع المقابلة انتشر أكثر مما توقعت.
وبدأت تصلني رسائل من طالبات صغيرات يقلن إنهنّ أحببن كلامي.
إحداهن كتبت
أختي، جعلتِني أصدّق أن التعب ليس بلا قيمة.
وأخرى قالت
أشعر أنكِ تشبهينني.
كنتُ أقرأ الرسائل بصمت طويل.
ثم أغلق الهاتف وأبكي أحيانًا دون سبب واضح.
لأن الغرباء
كانوا ألطف معي من بيتي كله.
وفي إحدى الليالي
رنّ هاتفي بعد منتصف الليل.
كان رقم أمي.
ترددتُ قبل الرد.
لكن شيئًا داخلي خاف فجأة.
فتحتُ المكالمة بسرعة.
جاءني صوتها المرتجف
مريم
شعرتُ بقلبي ينقبض فورًا.
خير؟
سكتت لثوانٍ.
ثم قالت بصوت مكسور
سيف تشاجر مع تبارك.
جلستُ مستقيمة فوق السرير.
ماذا حدث؟
لكنها لم تُجب مباشرة.
فقط بدأت تبكي.
ولأول مرة منذ سنوات
سمعت أمي تبكي بهذه الطريقة.
كأنها اكتشفت شيئًا لا تستطيع احتماله.
عدتُ إلى البيت صباح اليوم التالي.
وكان الجو داخل المنزل ثقيلًا بطريقة مخيفة.
أبي جالس بصمت في غرفة الجلوس.
أمي تبكي داخل المطبخ.
وسيف
واقف قرب النافذة ووجهه شاحب بشكل لم أره عليه من قبل.
أما تبارك
فلم تكن موجودة.
بمجرد أن رآني سيف
رفع عينيه نحوي ببطء.
وقال جملة واحدة فقط
كنتِ محقة.
شعرتُ بشيء بارد يمر داخل صدري.
اقتربتُ منه ببطء.
عن ماذا؟
ضحك ضحكة قصيرة مكسورة.
ثم مرر يده داخل شعره بعنف.
كل شيء.
ولأول مرة
بدا أخي متعبًا فعلًا.
ليس غاضبًا.
ولا متكبرًا.
فقط محطمًا.
جلس على الأريكة ببطء.
ثم أخرج هاتفه.
وفتح تسجيلًا صوتيًا.
جاء صوت تبارك واضحًا بالكامل.
كانت تتحدث
مع إحدى صديقاتها وتضحك.
أقسم لكِ أنهم صدقوا كل شيء.
ثم ضحكت.
ضحكة باردة لم أسمعها منها يومًا.
حتى الملزمة أنا من وضعتها داخل وسادتها بنفسي.
شعرتُ أن أنفاسي توقفت.
أما سيف
فكان يحدق في الأرض وكأنه يكره نفسه.
استمر التسجيل.
مريم غبية جدًا كانت تظن أنهم سيحبونها لأنها متفوقة.
ضحكة أخرى.
الناس لا يحبون المتفوقين يا حبيبتي الناس يحبون الضحية.
اختفى الصوت للحظة.
ثم قالت صديقتها
لكن لماذا تفعلين كل هذا أصلًا؟
وجاء رد تبارك هادئًا بشكل مرعب
لأنني
كنتُ أريد شيئًا واحدًا فقط
سكتت ثانية.
أن أشعر أن أحدًا يختارني أنا.
تجمّدتُ مكاني.
أما سيف فأغلق التسجيل بعنف.
ورمى الهاتف فوق الطاولة.
وجدته بالصدفة في غرفتها.
كان صوته مختنقًا.
كانت تستمع إليه وتبكي.
ساد الصمت.
ثم قال بصوت مكسور
يا رب ماذا فعلنا بكِ يا مريم؟
ولأول مرة منذ سنوات
رأيت أخي يبكي.
بكى فعلًا.
جلس واضعًا رأسه بين يديه كطفل صغير.
أنا صفعتك بالكلام كل يوم وأنا حتى لم أحاول أن أصدقك مرة واحدة.
أمي بدأت تبكي أكثر.
أما أبي
فظل صامتًا.
لكنني رأيت يده
ترتجف فوق الطاولة.
سألتُ أخيرًا
أين تبارك؟
نظرت أمي نحوي بعينين حمراوين.
خرجت منذ الليل.
ثم همست
تركت رسالة.
ناولني أبي الورقة بصمت.
فتحتها ببطء.
وكان خطها المرتجف واضحًا
أنا متعبة.
وأعرف أنكم تكرهونني الآن.
لكنني لم أكن أريد سرقة حياة مريم كنت فقط أريد أن أشعر أنني مرئية.
حين ماتت أمي شعرت أنني أصبحت عبئًا ينتقل بين البيوت.
وعندما جئت إلى هنا
كانت مريم ذكية وجميلة ومحبوبة
من الجميع.
حتى صور طفولتها كانت تملأ البيت.
أما أنا
فكنت الفتاة اليتيمة التي يجب أن تكون ممتنة فقط.
في البداية غرت منها.
ثم بدأت أخاف منها.
ثم أصبحت أؤذيها حتى لا أشعر أنني أقل
منها.
أنا مريضة فعلًا.
وأعرف أنني
تم نسخ الرابط