الساحرة لـ اماني السيد
الباب بكل قوتي.
وأنا نازلة في الأسانسير، طلعت موبايلي، ودموعي اللي حبستها جوة نزلت مغرقة وشي. رنيت على أخويا، وأول ما رد وصوته الجدع ملى السماعة، انفجرت في العياط وقلت له الحقني يا أخويا.. أنا سايبة البيت وجايلكم، ومحدش هيرجعني ولا هيجيب حقي غيركم!
خلاص، خوفي من إن المشكلة تكبر ملوش مكان دلوقتي.. الست دي جاية تدمر مستقبلي وتتهمني في ديني وأخلاقي، وجوزي واقف يتلجلج ومش عارف يصدق مين؛ يبقى لازم أهلي يتدخلوا، والمرة دي اللعب بقى في
المكشوف!
وصلت بيت أهلي وأنا منهارة.
أخويا فتح الباب، وأول ما شاف وشي فهم إن الموضوع أكبر من خناقة عادية.
قعدني وشربني مية، واستنى لحد ما هديت شوية، وبعدها حكيّت كل حاجة.
من أول ما حماتي بدأت تراقبني.
لحد اتهام السحر.
ولحد تهديدها إنها تطلق ابنها مني.
أخويا كان ساكت طول الوقت.
لكن كل ما أحكي أكتر، كنت شايفة الغضب بيزيد في عينيه.
قال بهدوء
وأحمد؟
نزلت عيني للأرض.
واقف في النص.
هز رأسه بأسف.
اللي يقف في النص بين الحق والباطل بيبقى اختار الباطل من غير ما يحس.
في نفس الليلة، أحمد اتصل أكتر من عشرين مرة.
ما رديتش.
وبعدها بعت رسائل.
ارجعي.
خلينا نتكلم.
الموضوع كبر.
لكن الغريب إنه ما كتبش مرة واحدة
أنا مصدقك.
ودي كانت أكتر حاجة وجعتني.
بعد يومين، اتعملت قعدة عائلية.
أهلي.
وأهله.
وأحمد.
وحماتي.
أول ما قعدنا، حماتي
عن التمتمة.
والأذكار.
والأكل.
والسحر.
كأنها مصدقة نفسها فعلًا.
لحد ما أبويا، الراجل الهادئ طول عمره، قال لها
قوليلي يا حاجة إيه الذكر اللي سمعتيه منها؟
سكتت.
يعني إيه الكلام اللي كانت بتقوله؟
ارتبكت.
وبدأت تلف وتدور.
لأنها أصلًا ما كانتش فاهمة.
كانت تسمع أي ذكر أو دعاء وتفسره على هواها.
وقتها أخويا طلع موبايله.
وقال
أنا عندي تسجيل.
الكل بص له باستغراب.
قال
يوم ما أختي جات عندنا، كانت منهارة. وبعدها بيوم رجعت الشقة تاخد باقي حاجتها، وسجلت جزء من كلام الحاجة وهي مش واخدة بالها.
وشغّل التسجيل.
وصوت حماتي طلع واضح
لازم أطلعهالك من البيت.
من يوم ما اتجوزها وهو مبقاش يسمع كلامي.
لو ما خافش منها كفاية مش هيسيبها.
الصمت نزل على الأوضة.
حماتي اتجمدت.
وأحمد بص لأمه بصدمة.
أما أنا
فأخيرًا فهمت إن إحساسي كان صح.
الموضوع عمره ما كان سحر.
ولا أذكار.
ولا أكل.
الموضوع كان غيرة وتملك.
حماتي ما كانتش مستحملة إن ابنها بقى له بيت وحياة مستقلة.
بدأت تبرر وتتكلم.
لكن خلاص.
الكلام بعد انكشاف الحقيقة بيفقد قيمته.
أحمد فضل ساكت فترة طويلة.
ثم بص لي.
وأول مرة من بداية الأزمة قال الجملة اللي كنت مستنياها
أنا آسف.
لكن المرة دي كمل
وآسف أكتر إني ما صدقتكيش من أول يوم.
دموعي نزلت.
لأن المشكلة عمرها ما كانت في حماتي.
المشكلة الحقيقية كانت في
بعد شهور من المحاولات والصلح ووضع حدود واضحة
رجعت بيتي.
لكن بشروط جديدة.
احترام.
وخصوصية.
وعدم تدخل.
أما حماتي؟
فبقت تزورنا أوقات محددة.
وبحدود واضحة.
لأن المحبة شيء جميل
لكن لما تتحول لسيطرة، بتدمر كل شيء حواليها.
وفي يوم، وأنا بروق البيت كعادتي، كنت بقول
سبحان الله الحمد لله لا إله إلا الله
لقيت أحمد واقف عند باب المطبخ بيبصلي ويبتسم.
قلت له
في إيه؟
ضحك وقال
ولا حاجة بس كل ما أسمعك بتذكري ربنا أفتكر قد إيه كنت غبي.
ضحكت رغم كل اللي فات.
ورديت
المهم إنك فهمت قبل ما تخسر بيتك.
وقتها بس
حسيت إن الجرح بدأ يخف فعلًا.
عدت سنة كاملة بعد اللي حصل.
سنة مليانة محاولات لإصلاح حاجات كتير اتكسرت.
الثقة رجعت شوية شوية.
مش كلها.
لكن بالقدر اللي يخلي البيت يقف على رجليه من تاني.
وأحمد اتغير فعلًا.
بقى لما حد يتكلم عليا أو يحاول يزرع شك بينا، يوقفه من أول كلمة.
لأنه اتعلم الدرس بالطريقة الصعبة.
أما حماتي
ففي البداية كانت علاقتنا رسمية جدًا.
لا خناقات.
ولا دفا.
مجرد حدود واضحة.
لكن الأيام علمتها حاجة هي كمان.
إنها لما حاولت تكسب ابنها بخسارتي
كادت تخسره هو نفسه.
وفي يوم، بعد شهور طويلة، تعبت فجأة.
تعب حقيقي المرة دي.
ودخلت المستشفى.
وأول ما عرفت، رحتلها.
دخلت أوضتها.
لقيتها أضعف بكتير من الست القوية اللي كانت بترعبني
بصتلي.
وعينيها دمعت.
وقالت
كنتي مش مضطرة تيجي.
ابتسمت بهدوء.
برضه إنتِ أم جوزي.
سكتت شوية.
وبعدين قالت بصوت مكسور
أنا ظلمتك.
لأول مرة.
من غير تبرير.
من غير لف ودوران.
كلمتين بس.
أنا ظلمتك.
وقتها حسيت إن الحمل اللي شايله في قلبي من يوم الأزمة بدأ ينزل.
مسكت إيدها.
وقلت
ربنا يسامحنا كلنا.
بكت.
وأنا بكيت معاها.
لأن أوقات كتير الناس بتغلط مش لأنها شريرة
لكن لأنها بتسيب الخوف والغيرة والوساوس تتحكم فيها.
بعدها بأشهر، رجعت الحياة لطبيعتها.
وفي صباح يوم جمعة، كنت بروق البيت كعادتي.
الشمس داخلة من الشباك.
وريحة القهوة مالية المكان.
ولساني بيقول
سبحان الله.
الحمد لله.
لا إله إلا الله.
وفجأة سمعت صوت صغير ورايا.
لفيت.
لقيت بنتي الصغيرة اللي ربنا رزقنا بيها بعد سنين من الانتظار ماشية ورايا بالمقشة اللعبة بتاعتها.
وبتردد ورايا نفس الذكر.
سبحان الله.
الحمد لله.
ضحكت وشلتها في حضني.
في اللحظة دي أحمد دخل من الباب.
بص ليا.
وبص للبنت.
وبعدين قال وهو مبتسم
شايفة؟
إيه؟
اللي كانوا فاكرينه سحر زمان
حضن بنته وكمل
طلع بركة.
بصيت حواليا.
للبيت.
ولبنتي.
وللراحة اللي رجعت بعد تعب طويل.
وفهمت إن أجمل انتصار أحيانًا مش إنك ترد الأذى.
ولا إنك تكسب الجدال.
أجمل انتصار إنك تفضل زي ما أنت.
ما تخليش ظلم الناس يغير قلبك.
ولا يخليك تستحي من الخير اللي بتعمله.
ومن يومها
فضلت أذكر ربنا وأنا بروق.
مش بس عشان الثواب.
لكن عشان كل مرة أقول فيها الحمد لله
أفتكر إن ربنا أنقذ بيتي من الشك.
وأن الحقيقة، مهما اتأخرت
لازم تظهر في الآخر.
تمت