كانت قد تحملت الضرب في صمت لسنوات
كانت قد تحملت الضرب في صمت لسنوات حتى اليوم الذي قال لها فيه غريب كفى.
ارتطم وجه إيلينا بالطين قبل أن تتمكن حتى من الرد. دفعتها يد قاسية من مؤخرة عنقها فانتهى وجهها داخل معلف الخنازير. ملأها العفن ورائحة الطعام المتخمر فما وأنفا. حاولت أن تفلت لكن الضغط ازداد.
إذا كنت تريدين أن تعيشي كحيوان فكلي كحيوان تمتمت إيسيدورا بهدوء أشد قسوة من أي صراخ.
ابتلعت إيلينا الإهانة مع الطعام القذر. منذ ثلاث سنوات وحياتها ليست سوى صمت وخوف وضربات مخفية تحت لامبالاة أهل القرية.
بارانكا كولورادا مستوطنة تعدين صغيرة ضائعة بين تلال شمال المكسيك كانت تشتعل تحت شمس صيف عام 1881. كان الغبار يلتصق بالجلد ويخرج عمال المناجم ويعودون منهكين دون أن يلتفتوا كثيرا حولهم. لا أحد يسأل لا أحد يتدخل. وبالأخص ليس من أجل إيلينا.
كانت في التاسعة عشرة ومنذ زمن لم تعد تنادى باسمها. بالنسبة لإيسيدورا لم تكن سوى الفتاة. خادمة بلا أجر بلا صوت بلا حقوق داخل بيتها نفسه.
في ذلك الصباح كما كل صباح كانت مستيقظة قبل أن يصل أول صراخ.
الحيوانات لا تطعم نفسها! أمرت إيسيدورا من داخل البيت.
بيدين مرتجفتين حملت إيلينا الدلو المليء ببقايا الطعام إلى الحظيرة. وما إن سكبت الطعام حتى سقط قليل منه خارج المعلف.
وكان ذلك كافيا.
ظهرت إيسيدورا خلفها ومن دون إنذار غرست رأسها مجددا في طعام الحيوانات.
هذا ما أنت عليه قالت باحتقار لا شيء أكثر.
حين أطلقتها كانت إيلينا مبللة ومشمئزة لكنها لم تبك. تعلمت منذ زمن أن البكاء لا يزيد الأمور إلا سوءا.
بعد العقاب جاء الأمر المعتاد تسليم الملابس المغسولة في القرية. غسلت نفسها عند البئر وسارت مطأطئة الرأس إلى بيت دونيا روزا التي كانت تستلم العمل دون أسئلة وتدفع بضع عملات بالكاد تكفي.
عند خروجها اصطدمت برجل طويل بشرته مسمرة من الشمس ونظرته هادئة تحت قبعة مهترئة.
على مهل قال وهو يمسكها برفق حتى لا تسقط.
تراجعت فورا بارتباك.
أنا بخير آسفة.
لديك طعام عالق في شعرك أضاف بلطف.
اشتعل وجهها خجلا. مسحت شعرها وغادرت مسرعة دون أن تلتفت. لكن الرجل ظل يراقب ابتعادها. كان في مشيتها في خوفها ما ترك في صدره
كان اسمه كروز مونتويا راعي بقر يقود قطيعا نحو سونورا. لاحقا في حانة القرية سأل عن الفتاة.
تردد الساقي هيكتور قبل أن يجيب.
هي ابنة رجل طيب مات في المنجم. تولت زوجة أبيها أمرها ومنذ ذلك الحين تعاملها كخادمة. لا أحد يفعل شيئا. السلطة تقول إنه شأن عائلي.
شد كروز على أسنانه.
هذا ليس شأن عائلة.
هنا لا أحد يريد المشاكل رد هيكتور وهو يهز كتفيه.
في ذلك المساء نفسه مر كروز قرب بيت إيسيدورا ورأى إيلينا تنشر الغسيل. اقترب بحذر.
لا أريد أن أسبب لك مشاكل قال لكني رأيت الكدمات.
أرجوك اذهب همست دون أن تنظر إليه إن رأتنا نتحدث
لا ينبغي لأحد أن يعيش هكذا.
لأول مرة رفعت إيلينا عينيها. لم تكن هناك دموع بل غضب مكبوت لسنوات.
في تلك اللحظة فتح الباب وظهرت إيسيدورا بابتسامة زائفة وصوت لطيف.
هل من خدمة
أجاب كروز بأدب وغادر لكن النظرات المتبادلة أوضحت أن شيئا ليس على ما يرام.
في تلك الليلة بينما كانت تتحمل عقابا آخر في صمت فكرت إيلينا في شيء جديد لقد رأى أحدهم معاناتها ولم يشح بنظره.
وعند الفجر عاد
أخبرني بكل ما تعرف قال بحزم لأن هذا لن يمر هكذا...
الجزء الثاني
سكت هيكتور لحظة وهو يمسح الكأس بقطعة قماش قديمة ثم قال بصوت منخفض
إيسيدورا ما بتضربهاش قدام الناس. بس الكل شايف العلامات. مرات البنت تيجي تسلم الغسيل وإيدها ترجف أو شفايفها متشققة. مرة حاولت أتكلم هددتني تشتكي للعمدة وتقول إني بتدخل في شؤون بيتها.
اقترب كروز أكثر من الطاولة.
والعمدة
صديق قديم لزوجها المرحوم. بيقول دا تأديب. وما حدش يحب يقف ضد إيسيدورا لسانها أطول من ظلها.
خرج كروز من الحانة وقلبه يغلي. لم يكن من أهل القرية ولن يبقى فيها طويلا. لكنه كان يعرف شيئا واحدا الظلم الذي يترك يكبر.
في اليوم التالي عاد إلى البيت الصغير عند أطراف بارانكا كولورادا. كان يحمل كيسا صغيرا من الدقيق والسكر.
وجد إيلينا عند البئر تملأ الجرار.
قلت لك اذهب همست وهي لا ترفع رأسها.
مش جاي أسبب لك مشاكل. جاي أقولك إن عندك اختيار.
توقفت يدها فوق الحبل. كلمة اختيار بدت غريبة عليها.
أي اختيار
أقدر آخدك من هنا. القافلة