كانت قد تحملت الضرب في صمت لسنوات
بس فيها شغل وفيها ناس ما يعرفوش إيسيدورا.
نظرت إليه أخيرا والشك يسبق الأمل في عينيها.
ولو مسكتنا
هتحاول. بس ما تقدرش تمنعك لو مشيتي بإرادتك. عمرك تسعة عشر. مش ملك حد.
ارتجفت شفتاها. لم تكن خائفة من الطريق كانت خائفة من الحلم نفسه.
في تلك اللحظة دوى صوت إيسيدورا من الداخل
إيلينا!
تراجع كروز خطوة.
فكري. بس ما تفكريش كتير. في حاجات لو استنيتي بتموت.
دخلت إيلينا البيت وقلبها يخبط في صدرها. في المساء جاء العقاب كعادته. اتهام بلا سبب صفعة دفع على الأرض. لكن هذه المرة وهي ممددة على البلاط البارد لم تشعر بالانكسار شعرت بالغضب.
وعندما نامت إيسيدورا أخيرا نهضت إيلينا ببطء.
لم تجمع كثيرا. ثوبا إضافيا صورة قديمة لوالدها وقطعة قماش كانت أمها الحقيقية قد خاطتها لها قبل موتها.
وقفت لحظة أمام باب الغرفة.
أنا مش حيوان همست لنفسها.
خرجت في الظلام بخطوات خفيفة نحو أطراف القرية.
كان الفجر بالكاد يلوح حين رأت القافلة تستعد. الخيول مربوطة والغبار ينهض خفيفا
وعندما رآها لم يبتسم. فقط أومأ برأسه وكأنه كان يعرف أنها ستأتي.
تأخرت دقيقة قال بهدوء.
بس جيت.
مد لها يده فترددت لحظة ثم أمسكتها.
في تلك اللحظة انفتح باب بعيد في القرية وارتفع صوت صراخ مألوف.
إيليناااا!
تجمد الدم في عروقها.
نظر كروز نحو الصوت ثم إليها.
القرار قرارك. لو رجعتي الآن هيفضل كل شيء كما هو. لو ركبتي حياتك هتبدأ من جديد.
كانت القرية كلها أمامها بكل ما فيها من ألم.
وكان الطريق خلفها مليئا بالمجهول.
ابتلعت خوفها.
ثم وضعت قدمها في الركاب.
وتحركت القافلة.
الجزء الأخير
تحركت القافلة ببطء في البداية كأنها تمنحها فرصة أخيرة للتراجع.
صوت إيسيدورا ظل يتردد من بعيد حادا غاضبا يقطع سكون الصباح. بعض الأبواب انفتحت بعض الوجوه أطلت من النوافذ لكن لم يجرؤ أحد على اللحاق بها.
إيلينا لم تلتفت.
لأول مرة في حياتها لم تلتفت.
كانت يدها ممسكة بسرج الحصان بقوة وقلبها يخفق بعنف لكنها لم تشعر بالخوف كما توقعت. شعرت بخفة
بعد ساعة اختفت بارانكا كولورادا خلف التلال.
تنفست بعمق.
لسه تقدري ترجعي قال كروز بهدوء دون أن ينظر إليها.
هزت رأسها.
لا. لو رجعت هموت هناك. حتى لو فضلت عايشة.
صمت قليلا ثم قال
إذن اعتبري دي أول يوم في حياتك.
لم تكن الأيام التالية سهلة.
الطريق طويل والشمس قاسية والعمل في سونورا لم يكن حلما ورديا. عملت في مطبخ صغير أولا ثم في مغسلة ثم تعلمت الخياطة على يد امرأة عجوز كانت ترى في عينيها شيئا صلبا لا ينكسر.
لم تعد الفتاة.
بدأ الناس ينادونها باسمها.
إيلينا.
وفي كل مرة تسمع الاسم كانت تشعر أنه يعاد إليها قطعة قطعة.
أما كروز فبقي فترة ثم أكمل طريقه مع القوافل. لم يعدها بشيء ولم يطلب منها شيئا. فقط قبل رحيله قال لها
أنا ما أنقذتكش. أنا بس قلت كلمة. الباقي أنت عملتيه.
فهمت يومها الحقيقة.
لم يكن الرجل هو المعجزة.
الكلمة كانت.
كفى.
مرت سنوات.
وفي أحد أيام الصيف توقفت عربة صغيرة عند أطراف بارانكا كولورادا.
نزلت منها
لم يعرفها كثيرون في البداية.
لكن إيسيدورا عرفتها.
كانت تجلس على مقعد خشبي أمام البيت وقد أنهكها العمر والمرض. رفعت رأسها ببطء وتجمدت ملامحها.
إيلينا
لم يكن في الصوت أمر ولا احتقار. فقط ارتباك.
اقتربت إيلينا بخطوات هادئة.
لم تأت للانتقام.
لم تصرخ.
لم ترفع يدا.
وقفت أمام المرأة التي حطمت طفولتها وقالت بهدوء
أنا مش حيوان.
ثم أخرجت من جيبها كيسا صغيرا من المال ووضعته على الطاولة.
ده ثمن البيت. اشتريته من صاحبه بعد ما تراكمت عليك الديون.
اتسعت عينا إيسيدورا.
ليه
أجابت إيلينا بنبرة لا تحمل كراهية
عشان ما يبقاش ليك علي شيء ولا يبقى لي عليك شيء.
استدارت ومشت.
هذه المرة لم يكن هناك صراخ خلفها.
فقط صمت.
صمت ثقيل يشبه النهاية.
في تلك الليلة جلست إيلينا خارج البيت الذي كان يوما سجنها.
النجوم نفسها كانت تلمع فوق التلال.
لكنها لم تعد الفتاة التي تدفع إلى المعلف.
كانت امرأة اختارت.
اختارت أن ترحل.
اختارت أن تعيش.
واختارت أن تسامح دون أن تنسى.
لأن أحيانا لا تحتاج المعجزة إلا إلى كلمة واحدة.
كفى.