خالد وهنا بقلم الكاتبة نرمين عادل احمد همام

لمحة نيوز

خالد وهنا بقلم الكاتبة نرمين عادل احمد همام

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم

فاتت تلات سنين كاملة على ورقة الطلاق، تلات سنين وأنا بحاول أقنع نفسي إن حياتي استقرت، وإن الهدوء اللي أنا وابني مازن عايشين فيه كفاية أوي. أنا خالد، مهندس ديكور، حياتي بقت روتينية ومحسوبة بالثانية؛ بوصل مازن مدرسته في التجمع الصبح، وبرجعه بعد الظهر، ونقضي أغلب سهراتنا في شقة والدي ووالدتي في مصر الجديدة. مكنتش حياة الأحلام، بس كانت حياة من غير وجع دماغ، من غير نكد، ومن غير ذكريات.. أو ده اللي كنت فاكره لحد الليلة دي.

الدنيا كانت بتمطر بغزارة، والبرق بيخطف العين من ورا الشيش، وفجأة جرس الباب رن. فتحت وأنا مستغرب مين اللي هييجي في وقت زي ده، لقت قدامي هنا.. طليقتي. كانت غرقانة من المطر، ووشها باهت، وعينيها فيها نظرة تيه أول مرة أشوفها.

هنا؟ خير في إيه يا بنتي في الوقت ده؟ ردت بصوت بيترعش: الميكروباص عطل بيا في نص الطريق، والموبايل فصل شحن، ومقدرتش أكلم حد.. ملقيتش نفسي غير وأنا بخبط على

بابك عشان أشوف مازن، والجو زي ما أنت شايف مفيش تاكسي ولا أوبر راضي يقبل المشوار في الغرق ده.

دخلتها وأنا جوايا صراع.. تلات سنين ملمسناش فيها إيد بعض، تلات سنين مجمعناش فيها سقف واحد. مازن لما شافها طار من الفرحة، نسي نومه ونسي تعب المدرسة

بسبب المطر اللي قفل الشوارع، وبسبب إن الوقت اتأخر، ملقيتش حل غير إنها تبات عندنا. فرشت لها الكنبة الكبيرة في الصالة، وجبت لها غطا تقيل.

نامي هنا يا هنا، والصبح إن شاء الله الدنيا تهدا وتشوفي طريقك.

دخلت أوضتي وقفلت الباب، بس النوم كان أبعد ما يكون عني. 

كنت واقف ورا باب الأوضة، قلبي بيدق زي الطبل، والصوت اللي سمعته مكنش مجرد صوت.. ده كان نحيب مكتوم، صوت حد بيحاول يقطع في نفسه عشان محدش يسمعه. مشيت بطراطيف صوابي ناحية الصالة، النور كان خافت، وشفتها.. كانت قاعدة على الكنبة، ضامة ركبها لصدرها، وماسكة في إيدها تيشرت بتاع مازن الصغير، وبتعيط بحرقة كأنها بتغسل تلات سنين من البعد.

مقدرتش أتمالك نفسي، ناديت بصوت واطي: هنا؟ اتنفضت من مكانها، ومسحت دموعها

بسرعة وهي بتترعش: أنا آسفة يا خالد.. أنا بس.. ريحة مازن وحشتني أوي، البيت ده وحشني أوي.

قعدت بعيد عنها شوية، وسألتها السؤال اللي كان واكل عقلي: إيه اللي جابك يا هنا؟ المطر مش سبب كفاية يخليكي تيجي وتوافقي تباتي بالسرعة دي.. فيه إيه؟

بصت لي وعينيها كانت حمرا من كتر العياط وقالت بكسرة: أنا خسرت كل حاجة يا خالد. بعد الطلاق، كنت فاكرة إني هعرف أبني حياتي من جديد، بس اكتشفت إني كنت بتهد. شغلي راح، والشقة اللي كنت مأجراها صاحبها طلعني منها عشان مش قادرة أدفع، وأهلي.. أنت عارف أهلي، ملهومش في الوجع ده. ملقيتش مكان أحس فيه بالأمان غير هنا.. جنبك وجنب ابني. أنا جيت أودعه يا خالد، كنت ناوية أسيب البلد وأسافر اشتغل في أي حتة بعيد.

في اللحظة دي، شريط التلات سنين عدى قدام عيني. شفت مازن وهو بيسأل عليها في سره، وشفت نفسي وأنا بحاول أملى فراغ هي سابته ومحدش عرف يملاه. السكوت ساد المكان، بس كان سكوت مليان كلام.

فجأة مازن خرج من أوضته، كان لسه بيفرك في عينيه من النوم، مشي ناحيتها  وقال ببراءة الأطفال:

ماما.. إنتي مش هتمشي تاني صح؟ بابا قال لي إنك مسافرة شغل كتير، بس الشغل خلص خلاص؟

بصت لي هنا وهي مستنية ردي، مستنية أشوف هل هرميها برا حياتي تاني ولا هفتح الباب اللي قفلته بالضبة والمفتاح. بصيت لمازن وابتسامته اللي نورت وشه، وبصيت لهنا اللي الثقة ضاعت من عينيها.. وحسيت إن الهدوء اللي كنت عايش فيه مكنش استقرار، ده كان غيبوبة.

وبحلول الصبح.. كل حاجة اتغيرت.

لما الشمس طلعت، هنا ملمتش شنطتها عشان تمشي. كانت في المطبخ بتعمل الفطار لمازن زي زمان، وأمي ال امبارح اتصلت بيها جت على طول الصبح وكانت واقفة جنبها بتضحك. دخلت المطبخ، وبصيت لها وقلت: مازن عنده تمرين النهاردة بعد المدرسة.. تفتكري نلحق نوديه سوا؟

هنا ابتسمت، والمرة دي الأمل اللي كان في عينيها مكنش مجرد محاولة، ده كان بداية لرجوع الروح للبيت. الورقة اللي اتكتبت من تلات سنين لسه موجودة، بس القلوب اللي اطلقت ساعتها، قررت النهاردة إنها تمضي عقد جديد.. عقد عنوانه فرصة تانية.

أول ما قالت الجملة دي، حسيت إن جرح قديم اتفتح وصوته كان مسموع في هدوء

الشقة. نفس المبررات، نفس الكلام عن المستقبل اللي دايماً بيجي على حساب الحاضر.

 

تم نسخ الرابط