خالد وهنا بقلم الكاتبة نرمين عادل احمد همام

لمحة نيوز

 

بصيت لها وقلت بصوت واطي بس حاد: — مستقبل إيه يا هنا؟ المستقبل اللي بيبدأ بكسرة قلب ابنك دلوقتي؟ أنتي لسه قايلة إنك عرفتي إن الموضوع مش جدول زيارات، ودلوقتي راجعة تتكلمي في سفر وفرص؟

هنا حاولت تقرب، عينيها كانت مليانة تردد: — يا خالد افهمني، الشغل هنا يدوب ممشي الحال، وهناك هقدر أعمل له حساب في البنك، أضمن له جامعة كويسة، أعيشه في مستوى..

قاطعتها وأنا بضحك بمرارة: — مازن مش محتاج حساب في البنك، مازن محتاج حساب في حياتك. محتاج لما يصحى يلاقي صورة التلاتة اللي رسمهم لسه حقيقة مش مجرد ورقة هتترمي في درج الذكريات تاني.

سكتت هنا، والدموع بدأت تلمع في عينيها. في اللحظة دي مازن خرج من أوضته، مكنش باكي، كان باصص لنا بنظرة وعي أكبر

من سنه بكتير. مشي لحد عندها، مسك إيدها وقال بجملة واحدة هزت كياننا إحنا الاتنين: — يا ماما، أنا مش عايز جامعة كويسة، أنا عايزك إنتي اللي تذاكري لي العربي عشان بابا صوته بيعلى عليا لما مبعرفش أكتب.

الكلمة دي خلت هنا تنهار، نزلت لمستواهوهي بتشهق: — أنا آسفة يا حبيبي.. أنا مش همشي، مش هسافر.. أنا اللي كنت خايفة، كنت خايفة أفشل هنا تاني فأهرب للسفر، بس فشلي الحقيقي هو إني أبعد عنك.

بصيت لهم والحجر اللي كان على قلبي بدأ يدوب. فهمت إن هنا مش شريرة، هي بس خايفة، والوجع اللي فات خلاها دايماً مستعدة للهروب أول ما تحس إن الدنيا هتضيق.

قربت منهم، وقعدت على ركبي قدامهم. لأول مرة من تلات سنين، مديت إيدي ولمست كتفها: — الشغل اللي هناك ارفضيه يا

هنا. والفرق في المرتب، أنا هساعدك هنا.. مش عشانك، ولا عشاني.. عشان نثبت لمازن إن الرسمة اللي رسمها ممكن تلونها الحياة بجد.

هنا بصت لي بذهول، وكأنها مكنتش مصدقة إن خالد اللي الوجع غيره، لسه جواه حتة من خالد اللي كان بيحتويها.

عدت شهور.. هنا م سافرتش. استقرت في شغلها البسيط هنا، وبقت موجودة كل يوم مش مرتين بس. وبدأنا فعلاً نمشي بالراحة. م رجعناش لبعض بكلمة بحبك، بس رجعنا لبعض بكلمة إحنا موجودين.

البيت اللي كان هادي زيادة عن اللزوم، بقى فيه صوت ضحك، وصوت خناق على مذاكرة العربي، وصوت شقاوة مازن.

اتعلمت إن العيلة مش شرط تكون مثالية عشان تكون حقيقية. كفاية إننا بقينا تلاتة.. بنحاول.. وبنغلط.. وبنسند بعض.

والرسمة اللي كانت على الورقة؟

هنا بروزتها وعلقتها في الصالة.. عشان كل ما حد فينا يفكر يهرب، يفتكر إن فيه إيدين تانية ماسكة فيه ومش هتسيبه يقع.

خالد فضل باصص للرسمة كتير..

المرة دي، الثقة م رجعتش بكلمة، رجعت بـ فعل. هنا استقرت فعلاً، وبقت موجودة كل يوم. وفي ليلة من ليالي رمضان الهادية، خالد دخل أوضة مازن، لقى الرسمة متعلقة تاني، بس المرة دي مازن م مسحش حد.. هو جاب ألوان خشب ولون التلاتة وهما ماسكين إيد بعض، وكتب تحتها بخط طفولي: بيتنا رجع ينور.

خالد بص لهنا اللي كانت واقفة جنبه، ومسك إيدها بجد المرة دي، وقال لها: — الوجع بيغيرنا يا هنا.. بس الحب بيصلح اللي الوجع بوظه.

ورجع الهدوء للبيت، بس مش هدوء الفراغ، ده هدوء الطمأنينة والامان

الولاد والبيت والدفى

والامان  اهم حاجة في الدنيا 

بقلمي نرمين عادل احمد همام

تمت

تم نسخ الرابط